بعد نصف قرن على ولادة «اتفاق القاهرة»، الموقع بين السلطات اللبنانية والقيادة الفلسطينية، لتنظيم الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات وليُشَرعِن السلاح الفلسطيني فيها، اسقطت الخطة الامنية التي توصل اليها الجيش اللبناني بالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية، كل القواعد والمعادلات المرسومة للواقع الفلسطيني في لبنان، بفعل الضغط الذي شكله مسلسل التوتيرات الامنية الذي هزَّ حال الاستقرار الامني في المخيمات والجوار، وانعكست تداعياته على الواقع اللبناني.

اعتبارا من صباح السبت الماضي، «خلع» مخيم اللاجئين الفلسطينيين في المية ومية القريب من مدينة صيدا زيَّه العسكري، واُعلِن المخيم منطقة آمنة لسكانه وللجوار في بلدة المية ومية الذين تكبدوا مع سكان المخيم، موجات من المعاناة والهلع والاضرار، جراء الاحداث الامنية التي سُجِّلَت في المخيم قبل اشهر.

الصورة الجديدة لمخيم صغير بحجم مخيم المية ومية، ووفق مصادر قياية فلسطينية، جاءت كخطوة عملانية نجح الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية في تحقيقها، لتُشكل وسط مناخات من التعاون، محطة هامة من شأنها ان تسهم في تعزيز الخطوات الامنية المشتركة في ما يخص المخيمات الفلسطينية في لبنان، بما يُخرج الساحة الفلسطينية في لبنان من دائرة التوتيرات الامنية التي عاشتها طوال السنوات الماضية، والتي ارهقت الفلسطينيين في عصر استهداف ملف عودة لاجئي الشتات الى وطنهم، وتركت الكثير من التداعيات الخطيرة على الساحة اللبنانية، من خلال اقامة مربعات امنية مقفلة للجماعات الارهابية، مع محاولات حثيثة جرت بايعاز لهذه الجماعات من جهات خارجية لجر المخيمات الفلسطينية في لبنان الى حروب التنظيمات الارهابية التي استهدفت الجيش اللبناني ومناطق سكنية في الداخل اللبناني، وتجربة مخيم نهر البارد المدمّرة ما تزال حاضرة لدى سكان المخيمات.

ما يُطمئِن ان التفاهم الذي تم تحت عنوان «اخراج مخيم المية ومية نهائيا من دائرة التوتيرات الامنية»، تقول المصادر، وان الجيش اللبناني تعامل مع ملف المخيم بكثير من المسؤولية والمرونة، لاقت ترحيبا واستحسانا لدى الجانب الفلسطنيني، وان آلية واضحة ومحددة وُضِعت، من شأنها ان تفضي الى حال الاستقرار الامني، وبخاصة ما تم التوافق عليه بشأن منع المظاهر المسلحة، وتولي الفصائل الفلسطينية الاساسية التي لها وجود فعلي في المخيم، حركة «فتح» وحركة «حماس» وحركة «انصار الله»، مسؤولياتها، لجهة ضبط السلاح ( وليس نزعه) ومنع استخدامه تحت اي ظرف، والا فالملاحقة سيتولاها الجيش اللبناني، ما يعني انه لن تكون هناك اية موانع لقيام الجيش اللبناني بمعالجة اي اشكال امني او حادث يقع داخل المخيم، وهذا ستظهر معالمه في الايام القليلة المقبلة ، علما ان كافة القوى الفلسطينية التي اعلنت الالتزام بما تم التوافق عليه من خطوات، عملت على ترتيبا اوضاع سلاحها، فيما خرج من المخيم عشرات المطلوبين بقضايا خفيفة واقاموا في مخيم عين الحلوة، بحيث يبقى المخيم بعيدا عن اي توتر او حادث امني.

واذ تتخوف اوساط فلسطينية ولبنانية، من ان لا تفتح الخطوة شهية بعض الاوساط السياسية والحزبية اللبنانية المنادية بنزع السلاح الفلسطيني من داخل المخيمات وانهاء مخيمات اللجوء، في المرحلة نفسها التي يجري فيها استهداف قضية اللاجئين،ترى المصادر القيادية ان ما جرى معالجة هادئة للوضع الامني فيه، ولم يكن مقايضة بين بناء جدار اسمنتي يسيِّج المخيم، وبين خطة امنية تُلغي كافة المظاهر المسلحة داخل المخيم، والمصلحتان الفلسطينية واللبنانية فرضتا هذه المعالجة التي فككت العديد من الالغام السياسية والامنية، امام العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية ووضعت حدا للتأثيرات والتداعيات التي كانت تخلفها التوترات الامنية داخل المخيم.

وتتوقف المصادر عند الاحداث الامنية السابقة التي شهدها مخيم المية ومية في تشرين الاول الماضي، بين حركتي «فتح» و«انصار الله»، والتي شكلت دافعا للوصول الى الخطة التي يعمل بها منذ يومين، فتلفت المصادر الى انه لم يكن هناك من سبيل لانقاذ المخيم من الاقتتال الداخلي، سوى خطة امنية تجعل من المخيم ساحة استقرار تتناغم مع الاستقرار الامني في لبنان، وتعيد الثقة بين سكان المخيم وسكان بلدة المية ومية، والتي تصدَّعت بفعل الاشتباكات المسلحة التي جرت في المخيم قبل الخطة، والامل في ان تُؤسس للدخول جديا في حوار بين القيادة الفلسطينية والحكومة اللبنانية، للوصول الى علاقات صحيحة تقوم على قاعدة حقوق الفلسطينيين وواجباتهم، وهو ملف يحتاج الى الكثير من الجهد، لكن يمكن الوصول الى الغاية المنشودة من الحوار، طالما ان المناخات الملائمة لاطلاق مثل هذا الحوار متوفرة، وتعززت اكثر مع الخطة الامنية لمخيم المية ومية.

المرونة التي اتسم بها تعامل الجيش اللبناني الايجابي في معالجة ملف المية ومية، عكسه اعلان قيادة الجيش، من ان الجهود التي بذلت بالتنسيق مع قيادات الفصائل الفلسطينية المتواجدة في المخيم، تأتي في سبيل ارساء الاستقرار على جميع الاراضي اللبنانية، مشيرة الى الخطوات الاولى لانهاء المظاهر المسلحة وازالة الحواجز وتفكيك المربعات الامنية واقفال المكاتب باشراف قيادة الجيش وبالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية.

وان كانت الخطة الامنية في مخيم المية ومية «متواضعة» في الشكل امام جغرافيا المخيمات الفلسطينية، ترى الاوساط، الا انها تحمل الكثير من الدلالات والمعاني، لكونها الاولى بعد اتفاق القاهرة الذي وُقِّع بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، وهي بارقة امل بصياغة علاقة لبنانية ـ فلسطينية، تنظم الوجود الفلسطيني في لبنان ككتلة شتات كبيرة مرتبطة بشكل وثيق بملف اللاجئين، ..لم تعد البندقية الفلسطينية في مخيم المية ومية هي الكفيلة بالحفاظ على هذا الارتباط، اذا كانت تشكل مصدر تدمير للمخيمات وقتل او تشريد لسكانها ولسكان الجوار، ومخاطر تهدد امن واستقرار لبنان، والصورة الاقليمية والدولية المعقدة والغنية بالتطورات التي تتهدد القضية الفلسطينية برمتها، تستدعي من الحريصين على لبنان وعلى اللاجئين الفلسطينيين وقضيتهم، التعاون الجاد لمراعاة الخصوصية اللبنانية وحماية الوجود الفلسطيني.

ماذا عن نقل التجربة الى مخيمات اخرى؟، تُجيب الاوساط، في الخطة الامنية في مخيم المية ومية، سيكون الجميع امام امتحان صعب، نجاحها سيشجع الحديث عن تفاهمات في مخيمات اخرى ونقل التجربة اليها، لكن الامور ليست بهذه البساطة من الرؤية، فالاوضاع ما تزال غير ناضجة في مخيم عين الحلوة ..الغني بالاعتبارات الامنية والحسابات السياسية المعقدة والمتشعبة لدى اكثر من فريق لبناني وفلسطيني، لعدم توفر العناصر والعوامل التي ساهمت في الوصول الى خطة مخيم المية ومية.