انه المزاج الدولي حيال لبنان. يتجلى بوضوح من خلال سعر سندات اليوروبوندز، وهي السندات السيادية المقومة بالدولار والمتداولة دولياً.

فالمجتمع الدولي يراقب البلد. وفيما الاضراب يعم المؤسسات الحيوية، يُناقشُ مشروع الموازنة على طاولة مجلس الوزراء، في ظل استياء شعبي تترجَمَ اضرابات طالت مرفأ بيروت والضمان الاجتماعي والعسكريين المتقاعدين واساتذة الجامعة، وانضم لاحقاً موظفو مصرف لبنان في سابقة تاريخية، رفضا للمساس بمكتسباتهم، ما ادخل البلاد في شلل مالي تام ودفع ببورصة بيروت الى وقف التداولات حفاظاً على حقوق المساهمين بظل عدم قدرة البورصة على اتمام عمليات المقاصة والتسويات.

بيع دولي

ودفعت هذه الاضطرابات بالمجتمع الدولي الى بيع حيازته من سندات الدولة اللبنانية المقومة بالدولار والمطروحة في الاسواق العالمية.

فسندات اليوروبوند (سندات الدين اللبناني المقومة بالدولار) تتداول وفق آليّات العرض والطلب. ومع ارتفاع الخطر تنخفض أسعار التداول لهذه السندات مقارنة بقيمتها التي ينالها المستثمر عند الاستحقاق ما يعني تلقائياً رفع العوائد على هذه السندات.

بورصة لندن كانت مقفلة أمس، ومع العودة الى العمل اليوم شهدت اسعار السندات اللبنانية تراجعاً ترجم توجه المستثمر الاجنبي الابتعاد عن الاستثمار بأدوات الدين اللبنانية.

ويرى المصرفي والخبير المالي جان طويلة ان التراجع غير كبير وبالتالي غير خطر، فسوق السندات يعكس مدى رضى المجتمع المالي الدولي على الاداء الحكومي في لبنان. وارتفاع عائد السندات (YTM) يعني الاستياء وعدم الرضى ما يدفع بحامل السند إلى البيع، أما تراجع العوائد فيعني عودة الاهتمام بالاستثمار بأدوات الدين اللبنانية.

وبمتابعة دقيقة لتحرك عائدات سندات اليوروبوندز المستحقة خلال خمس سنوات (عام 2024) يتضح ان العائد ارتفع في تداولات اليوم إلى 10.55 في المئة من 10.30في المئة، قبل بدء موجة الاحتجاجات والاضراب اي ارتفاع 0.25 في المئة فقط.

فيما كان العائد 10.10في المئة مطلع بداية ابريل (نيسان) الماضي، علما انه وقبل تشكيل الحكومة سجل العائد مستوى مرتفعا تمثل بـ 12 في المئة ليتراجع إلى 9 في المئة بعد تشكيل الحكومة.

وبحسب طويلة، فان تحرك عائدات السندات بهامش ضيق حول النصف بالمئة لا يعتبر خطيراً، فيما سابقا وعند اي اضطرابات كانت عوائد السندات تتحرك بمستوى يفوق الـ 1 في المئة.

تأثير تراجع السندات

اما عن تأثير تراجع السندات، يوضح طويلة أنه يقوّض ثقة المجتمع الدولي بالدين السيادي اللبناني، كما يمكنه ان يكبد الدولة مزيداً من الكلفة عند اي اصدار جديد.

ويتوقع طويلة ان تحتاج الدولة خلال العام الحالي الى اصدار ما قيمته 10 بليون دولار لتسديد دين مستحق يضاف اليها عجز متوقع (6 بليون دولار) بحسب ارقام الموازنة الحالية.

في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة على الارتباط بين حركة السندات والاداء الحكومي، موضحاً ان سعر السندات اللبنانية جذاب وهو دون القيمة الحقيقية للسعر الفعلي، وبالتالي يعطي حامله هامش ربح أكبر.

كما يربط عجاقة أسعار السندات المتداولة في الاسواق المالية بمزاج حاملها وسياسته الاستثمارية عموما والتي تتأثر ايضا بمناخ الاعمال وحركة الاموال عالمياً.

ويرى عجاقة أن تحرك عائد السند في المرحلة المقبلة، يرتبط بنجاح الحكومة بإقرار موازنة مقنعة للأسواق. فالاتجاه الحالي ينذر بتراجع الحكومة عن بعض الاصلاحات المقترحة لخفض العجز خصوصاً تلك المرتبطة برواتب ومخصصات العاملين في القطاع العام وهي اصلا غير كافية.

ويقول عجاقة "يجب أن تحصِّن الموازنة ايراداتها من خلال اجراءات اكثر واقعية وجذرية كمكافحة التهرب الضريبي الواسع والتهريب الجمركي في مرفأ بيروت والمعابر الحدودية الذي يخسّر الدولة ارباحا تتخطى بليون دولار سنويا".

امتحان داخلي وخارجي

ويبدو جلياً التخبط الداخلي، اذ سبق جلسات مناقشة الحكومة لموازنة 2019 المتأخرة اصلا عن موعدها القانوني في ظل اضرابات شلت المرافق الحيوية للبلد ولا زالت تهدد الاقتصاد.

فالموظفون في مصرف لبنان اعطوا الحكومة مهلة حتى العاشر من الشهر الحالي، للتراجع عن المواد التي تطالهم، واما العودة للإضراب... فيما الشلل مستمر في ادارات اخرى حتى اشعار آخر.

اما خارجيا فالمجمتع الدولي متأهب للمحاسبة، خصوصاً بعد تصريحات رئيس الوزراء سعد الحريري الذي أكد أن "لبنان بعيد من الإفلاس"، لكنه حذر ايضاً أن إقرار ميزانية "غير واقعية" لخفض العجز العام، سيكون "عملية انتحارية" بحق الاقتصاد.

اللافت ان الاطراف السياسية كافة قد استوعبت الاخطار وتتفادى فيما يبدو المزيد من التعقيد تحت وطأة ضغط الوقت والمتطلبات الدولية للافراج عن حزمة المساعدات الموعودة بحسب مؤتمر سيدر والذي انعقد العام الماضي في باريس واتاح مساعدات للبنان وانما بشروط.

المصدر: انديبندنت عربية