نبيه البرجي

في ذلك اليوم، لكأنه يوم الفضيحة، لم نر الطبقة الدنيا البائسة. رأينا الطبقة العليا البائسة...

ولندع ديما الجمالي تختال في باب التبانة، كما لو كانت كلوديا شيفر تختال في جادة البيكاديللي اللندنية، أو على أرصفة الأوبرا الباريسية...

لعلكم علمتم ما كان ثمن الصوت البشري في طرابلس. قارورة غاز. أجل قارورة غاز. أحدهم أقسم لنا أن بعضهم اكتفى بسندويش فلافل ليذهب الى صندوق الاقتراع، احتفاء بالديمقراطية العزيزة في البلد الأكثر توتاليتارية في العالم.

عشية ذلك اليوم، كان هناك من يزف الينا البشرى. «خفض المعاشات والا... لا معاشات». لم يستخدم كلمة «الرواتب»، ربما ليزيد في قهر الناس، وفي ازدراء الناس. «المعاش» أكثر تعبيراً عن واقع الحال.

هكذا يفترض أن يدفع الناس الثمن، ليس بخفض مستوى حياتهم فحسب، وانما بخفض حياتهم، كما لو أن غالبية اللبنانيين لا تعيش تحت خط الحياة. ثمن الفساد الذي يظهر جلياً، وصارخاً، في وجوه أركان الطبقة السياسية.

من لا يعلم أن هناك آلاف الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من الدولة (البقرة الحلوب)، دون أن يطأوا المكان الافتراضي لعملهم. فقط لأنهم الأزلام وأزلام الأزلام. حتى الساعة، وبالرغم من كل الضجيج الفولكلوري حول مكافحة الفساد. لاشيء تغير الا في ما ندر.

هل يعلم جماعة «الشعب العظيم» ما يعنيه خفض الرواتب, وقد أتونا ببشرى الخلاص؟ أن يعلو الأنين الى الصراخ، وأن يعلو الصراخ الى الضرب على الأبواب، الى تحطيم الأبواب، ليقال لمهراجات هذا الزمان أن ثمن اللبناني ليس قارورة غاز وليس سندويش فلافل.

حتى يوم الفضيحة، لم يتوان أشرف ريفي، الذي لم يكن هكذا أبداً (يارجل... عد الى شخصيتك السابقة)، عن التأجيج المذهبي. قال ان «جمهور المقاومة لا ينزل الا بالصفارة». الآخرون كيف ينزلون؟ بالنفخ في الأبواق...

لعل أحمد الحريري، بشخصية الدونكيشوت هنا والذي لا ننفي قطعاً تفانيه، يستحق أن نقول له «من فضلك ابتعد عن السياسة»، من فضلك دع تيار المستقبل يحتضر بهدؤ». أنت الذي تعلم أن هذا ليس تيار رفيق الحريري الذي نحب، ونجلّ، ونترحم.

أحمد الحريري (ياسامعين الصوت) شكر سعد الحريري (الرئيس سعد الحريري) لأنه وضع ثقته بديما الجمالي. وكنا في مقالة أخيرة قد تحدثنا عن الباسيوناريا التي تحتاج اليها المجتمعات المقهورة. لم ندر على ماذا شكر الأمين العام لتيار المستقبل ابن خاله.

هل كانت النائبة العزيزة الباسيوناريا في باب التبانة، وجبل محسن، حيث تم توظيف دم المعوزين، وعظام المعوزين، في لعبة الكبار الذي كانو يشترون العاطل عن العمل ببندقية براقة، وبسندويتشات الشاورما والهمبرغر. أحياناً كثيرة... بحبات الكبتاغون.

بالعين المجردة، رأينا ناخبين لا يعرفون اسم المرشحة التي كان ابطال نيابتها احدى «فظاعات» المجلس الدستوري, ولم يشاهدوا حتى صورتها. كل ما في الأمر أننا في ذلك المكان الكئيب، في ساحة النجمة، بحاجة الى نساء جميلات وأنيقات...

ديما الجمالي، ابنة رجل مثقف بامتياز (رشيد الجمالي الذي زرناه ذات يوم)، مجلّية في المجال الأكاديمي. أين هي في البرلمان؟ أين هي على ضفاف نهر أبو علي أيضاً؟

ثمة كاميرا التقطت صورة لقطة حزينة في نافذة منزل لا يصلح أن يكون منزلاً للقطط، ولا حتى منزلاً للذباب.

كل ذلك التأجيج، حتى أن فؤاد السنيورة، بسحره الذي لايضاهى (ولا يقاوم)، ذهب الى الفيحاء ليشارك في معركة القادسية ضد الفرس الذين تعلمنا منذ طفولتنا أنهم والعثمانيين أعداءنا. قالوا هي معركة ضد ايران. ايران، أيها السادة، في طرابلس؟

نقول للمرة الألف، وما بعد الألف، قد نكون أصدقاء، وقد نكون حلفاء، لايران التي وقفت الى جانبنا حين كنا كنا نقاتل من احتلوا أرضنا، بأسنان التوراة، وحين كان العرب (وما زالوا ) في الغيبوبة الكبرى، دون أن يكون لها من موطئ قدم في أي أرض عربية، هذا اذا تركت لنا صفقة القرن أرضاً عربية، أو اذا تركت على هذه الأرض مخلوقات ناطقة بالعربية.

نتصور أن الرئيس السنيورة، بالكاريزما اياها، كان يعتقد أن زيارته لطرابلس ستجعل حتى الموتى يخرجون من قبورهم ويقصدون صناديق الاقتراع. بالرغم من كل التبريرات، والتفسيرات، البهلوانية، الرقم الذي سجل في «أم المعارك» كان «أم الفضائح». داخل المدينة بلغت النسبة 7 في المئة.

كل الجبابرة وقفوا الى جانب ديما الجمالي. الذي حدث لم يكن سقوط الجبابرة في مدينة. كان سقوط الجبابرة في كل مكان. طرابلس ليست وحدها التي تتعذب. لم تكن وحدها المنسية. اللبنانيون كافة في غياهب النسيان. كل مصائبهم في غياهب النسيان...

الآن، الآن فجأة، اكتشف أصحاب المواكب الأمبراطورية، أصحاب القصور والأطيان، أصحاب الودائع المكدسة في الصناديق السويسرية، أن الدولة توشك على الانهيار. ليقولوا لنا من هم المسؤولون عن الانهيار بدل أن يقطعوا أرزاق (رؤوس) الناس، ويخفضوا رواتب العاملين والمتقاعدين الذين جلهّم يعيشون على الفتات.

البؤساء في باب التبانة، وفي جبل محسن. البائسون في الضواحي، وفي القرى البعيدة، وفي معسكرات الأنين، هم المسؤولون. حتى الساعة، لم يعثروا على نائب، على وزير، على رئيس حكومة، على رئيس جمهورية (ومن لا يعرفهم بالأسماء؟) متورط في أكل لحوم البشر.

في طرابلس، كان ثمة مهرجان لأكلة لحوم البشر. لا تظنوا أن نسبة الاقتراع، الفضائحية، ستهزهم. أحد أزلامهم من جماعة معاهد الاحصاء اعتبر أن النسبة معقولة. معقولة؟ لماذا لا حين نكون في دولة اللامعقول؟

بدل الأرزة، قارورة غاز وسندويش فلافل...!!