ناجي سمير البستاني

ليس بسرّ أنّ القرار إتخذ على أعلى المُستويات لترشيد النفقات ولخفض العجز في أرقام المُوازنة لعام 2019، في مُحاولة لتقليص الفوارق بين مداخيل خزينة الدولة ومصاريفها من جهة، وبهدف إقناع الجهات الفاعلة في كلّ من «البنك الدَولي» و»صندوق النقد» وكذلك الجهات التي شاركت في مؤتمر «سادر» من جهة أخرى، أنّ ورشة الإصلاح الإقتصادي والمالي إنطلقت بحزم في لبنان. وبالتالي، من المُنتظر أن تتكثّف الإتصالات خلال الساعات والأيّام القليلة المُقبلة، تمهيدًا لتحديد طبيعة وتفاصيل القرارات القاسية والمُوجعة التي ستتخذها الحُكومة لتحقيق هذا الهدف، والأهمّ لتأمين أوسع تغطية سياسيّة لها، باعتبار أنّه من المُتوقّع أن تتسبّب قرارات التقشّف المُنتظرة بموجة عارمة من الإعتراضات الشعبيّة، في ظلّ إطلاق أكثر من قطاع وهيئة تحرّكات وإعتصامات ميدانية إستباقًا لأي قرارات يُمكن أن تطال «لقمة عيش» الموظّفين والعسكريّين ومُختلف الطبقات المُتواضعة الدخل. فما هي آخر المعلومات بشأن القرارات المُنتظرة من جانب السُلطة السياسيّة لتخفيض العجز المالي، وكذلك بشأن موجة الإعتراضات الشعبيّة التي بدأت بالتصاعد ميدانيًا؟

في الوقت الذي تكثّفت فيه الإتصالات في الأيّام الماضية لبحث الوضع المالي، بين رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل، عقد المجلس الأعلى للدفاع إجتماعًا له في قصر بعبدا أمس، خُصّص - بالإضافة إلى بحث الأوضاع الأمنيّة والمعابر الحُدوديّة، والخطة المُنتظرة لتأمين الإستقرار والأمن خلال فترة الأعياد، لدرس سُبل تخفيض المصاريف في الأسلاك العسكريّة. وبحسب أوساط سياسية مُطلعة، إنّ الإجتماع المَذكور يأتي في ضوء مجموعة من الإقتراحات التي هي مدار بحث حاليًا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، وقف العمل بالتدبير «رقم 3» الذي يمنح العسكريّين والأمنيّين ثلاثة أشهر تعويض بدلاً من شهر واحد عن كل سنة خدمة، مع إمكان منح الإستثناء للقطاعات العمليّة المُقاتلة. كما يجري البحث في إمكان القيام بخفض جزئي لمنح التعليم المَمنوحة لأبناء الضبُاط والعسكريّين، وبخفض أو إلغاء قسائم المحروقات التي تُمنح للضبّاط، وكذلك بخفض عدد السيارات الموضوعة بتصرّفهم، إلخ.

ومن المُنتظر أيضًا أنّ يرأس رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في القصر الجمهوري قريبًا جدًا، إجتماعًا ماليًا، في حُضور مجموعة كبيرة من كبار المسؤولين، ومن بينهم من رئيس الحكومة سعد الحريري، ووزير المال علي حسن خليل، ووزير الإقتصاد منصور بطيش، وورئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وذلك لإستكمال البحث في الإجراءات التقشّفية القاسية الواجب إعتمادها تجنّبًا للإنهيار، علمًا أنّ رئيس الحكومة يعمل على بلورة أكثر من فكرة في هذا المجال، بالتعاون مع فريق عمل إقتصادي يرفع تقاريره إليه بشكل دوريّ.

ولفتت الأوساط السياسيّة المُطلعة على ما يجري تداوله من أفكار، والتي لم يتمّ بعد إتخاذ أي قرار عملاني أو تنفيذي بشأنها، في ظلّ أصوات الإعتراض التي بدأت تعلو، أنّ الخفض التدريجي والتصاعدي لعجز الكهرباء سيتزامن مع تكثيف الجباية، بحيث سيتم تحصيل فاتورة عن شهرين كل عشرين يومًا تقريبًا، في المناطق والبلدات المُتأخرة عن سداد المُستحقّات لصالح مؤسّسة كهرباء لبنان، باعتبار أنّه توجد مناطق يتمّ فيها حاليًا تحصيل فواتير منتصف العام 2017! وأشارت الأوساط نفسها إلى أنّ البحث يتركّز على خفض تعويضات نهاية الخدمة، والرواتب التقاعديّة، مع توجّه لإلغاء إستمرار إستفادة الزوجة من راتب زوجها الموظّف المتوفّي (أو الإبنة غير المتزوّجة من راتب والدها). كما يجري البحث في تعديل قيمة كلّ من المنح التعليميّة، وبدلات السفر، والساعات الإضافيّة، وغيرها من الإمتيازات التي يحصل عليها العاملون في القطاعات الرسميّة المُختلفة. وكشفت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ التوجّه لدى القيادات الرسميّة هو لمُعالجة التهرّب الضريبي على مُستوى العديد من الشركات والمؤسّسات التجارية، وحتى على المُستوى الفردي، ولتعديل النظام الضريبي الذي يُساوي بشكل غير عادل، بين كبار المُتموّلين من جهة وأصحاب الدخل المحدود من جهة أخرى، وذلك على أمل التمكّن تدريجًا من خفض كلفة خدمة الدين العام التي تُشكّل 32 % من إجمالي النفقات العامة!

لكن وعلى الرغم من عدم صُدور أي قرار بعد بشأن القرارات التقشّفيّة المُوجعة والإجراءات المالية القاسية، فإنّ المواقف المُعترضة بدأت تتوالى من أكثر من جهة وشخصيّة سياسيّة، والأهمّ أنّ كُرة الإعتصامات والإعتراضات الشعبيّة بدأت تكبر، حيث بدأ لبنان يشهد تحرّكات غاضبة لأكثر من جهة تربويّة ونقابيّة. وفي المعلومات أنّه وبالتزامن مع إنعقاد الجلسة التشريعيّة في مجلس النواب غدًا الأربعاء، ستشهد ساحة رياض الصلح إعتصامًا كبيرًا سيضمّ أكثر من فئة مُعترضة، ليس رفضًا للمسّ بقانون سلسلة الرتب والرواتب فحسب، أو مُطالبة بتصحيح رواتب بعض القطاعات التربويّة المظلومة، وإنّما رفضًا لأي تفكير بالمسّ بالمعاشات التقاعديّة أو بالتقديمات الإجتماعيّة التي ينالها المُوظّفون. كما تجري إتصالات لمُشاركة العسكريّين المُتقاعدين في الإعتصامات والتحركات الإعتراضيّة، باعتبار أنّ القانون يمنع مُشاركة القوى الأمنيّة التي لا تزال في الخدمة الفعليّة.

وشدّدت الأوساط السياسيّة المُطلعة أنّ القرارات المُوجعة وغير الشعبيّة آتيّة، لكن حسم تفاصيلها سيحتاج لبعض الوقت، بحيث أنّها تخضع حاليًا للأخذ والردّ بين القوى والأحزاب السياسيّة المُختلفة. وختمت الاوساط أنّ السُلطة تعمل على تكوين مظلّة سياسيّة واسعة لأي قرار سيُتخذ، قبل إصداره، وذلك لسحب أي غطاء معنوي لأي تحرّك إعتراضي سيشهده لبنان في المُستقبل القريب، وبهدف أن تعمل القوى السياسيّة المُختلفة على تهدئة مُناصريها، وعلى شرح خلفيّات هذه القرارات لهم.