جميع التحركات التي تتبناها تركيا داخل المحيطين العربي والإسلامي، منذ تولي حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحكم، تشير إلى أنها تهتم ببناء علاقات متينة مع الدول الإسلامية والعربية في مختلف المجالات، لا سيما التجارية.

وفي إطار سعيها للتحول إلى قوة اقتصادية عالمية خلال العقود القادمة، توظف أنقرة الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية المشتركة مع شعوب المنطقة في سبيل تحقيق هذا الهدف.

العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول العربية عموماً والخليجية بشكل خاص، شهدت تنامياً متزايداً خلال السنوات الماضية؛ في ظل ارتفاع مستوى التبادل التجاري بين الطرفين، وإقبال رجال الأعمال على الاستثمار في مختلف القطاعات التركية، لا سيما العقارات، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الشركات التركية العاملة بالدول العربية.

غير أن التداعيات السياسية التي عصفت بالمنطقة بعد ثورات الربيع العربي عام 2011، فرضت على هذا التنامي تحدياً كبيراً، بسبب دعم تركيا ثورات الشعوب وحقها بالحرية والعدالة، في مقابل تصدي بعض الدول العربية لهذه الثورات بدعم الثورات المضادة.

محاولة للاستدراك

وتسعى أنقرة إلى تجاوز هذا التحدي؛ وتحقيق تطلعها المستقبلي الرامي إلى الوصول للتكامل الاقتصادي الذي خططت له، وتعقد لأجل هذا الهدف المؤتمرات وملتقيات الاستثمار والمعارض والمؤتمرات، التي تقدم المحفزات للمستثمرين ورجال الأعمال العرب.

الأنشطة هذه تهدف إلى جمع رؤوس الأموال والشركات والأسواق تحت سقف واحد؛ سعياً من أنقرة إلى بناء شراكات اقتصادية قائمة على المصالح المتبادلة.

آخر هذه النشاطات كان "قمة الأعمال العربية التركية"، التي نظمتها بمدينة إسطنبول السبت (13 مارس)، "جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك" (موصياد)، التي لها 206 أفرع في 76 دولة.

"موصياد" أسهمت بشكل كبير في تنمية الاقتصاد التركي منذ بداية تأسيسها عام 1990، وأدت دوراً في تسويق المنتجات المحلية في مختلف أنحاء العالم.

القمة حضرها 700 رجل أعمال من مختلف الدول العربية، إضافة إلى رجال أعمال أتراك يمثلون 150 شركة.

وبحسب موقع جمعية "موصياد" على الإنترنت، فإن القمة تهدف إلى مد جسور التواصل بين رجال الأعمال العرب والأتراك، وتعزيز العلاقات التجارية بين شركات الجانبين.

عبد الرحمن كان، رئيس "موصياد"، أكد أن تركيا تسعى إلى تحقيق أفضل العلاقات التجارية مع الدول العربية، وعدم السماح للأحداث السياسية بأن تؤثر في تطور تلك العلاقات.

وقال لـ"الخليج أونلاين": إن "العلاقات الاقتصادية بين رجال الأعمال الأتراك والعرب لا تتأثر بالمواقف السياسية، لذلك تسعى جمعيتنا إلى خلق حلقات تواصل بين الجانبين بصرف النظر عن الحالة السياسية التي تمر بها المنطقة".

وعن الهدف من قمة الأعمال العربية-التركية قال "كان": إن "أحد أهم الأهداف الرئيسة للجمعية هو ضمان التقاء جميع التجار العرب والمسلمين، والعمل معاً على إنشاء نظام تجاري واستثماري قائم على الحلال، وتحقيق التكامل بين الدول الإسلامية، والإسهام الفاعل في الاقتصاد العالمي".

"كان" أشار إلى أنه "على الرغم من القرب الجغرافي والروابط المشتركة التي تجمعنا كدول مسلمة، فإن تأثيرنا في الاقتصاد العالمي ضعيف جداً، فضلاً عن أن العلاقات البينية ليست بالمستوى المطلوب؛ حيث إن 90% من تجارة الدول الإسلامية تتم خارجياً، في حين أن 10% فقط هو حجم التجارة البينية".

وتابع قائلاً: "لذلك نحرص في تركيا على تطوير التجارة بين الدول الإسلامية، ونقل خبراتنا إلى الدول العربية، وتعزيز التعاون معها، على أساس مراعاة المصالح الاقتصادية المتبادلة".

وبيَّن أنه "في هذا الإطار، التقينا رجال أعمال من الدول العربية كافة، وعقدنا لهذا الغرض ملتقيات في إسطنبول وغازي عنتاب ومرسين وهتاي، والتقينا نحو 800 رجل أعمال، ووقعنا على عديد من العقود والشراكات".

ارتفاع التبادل التجاري

رئيس "موصياد" لفت النظر إلى أن "حجم التبادل التجاري بين الجانبين شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأعوام العشرة الماضية؛ إذ بلغت صادرات تركيا إلى البلدان العربية 30.8 مليار دولارٍ عام 2018، في حين بلغت وارداتها من هذه البلدان 47.3 مليار دولار في الفترة نفسها".

حجم الاستثمارات التركية في العالم العربي، بحسب "كان"، بلغ ملياري دولار خلال 16 عاماً، في حين بلغت قيمة الاستثمارات العربية بتركيا في الفترة نفسها 12 مليار دولار من أصل 153.5 مليار دولار من عموم الاستثمارات الأجنبية.

من جهته، قال رئيس جمعية مصدِّري الورق والأثاث التركية، عضو مجلس إدارة المصدرين الأتراك، أحمد غولش، إن العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول العربية، خاصة مع دولة قطر، مستمرة في التطور.

وأوضح في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن "حجم التبادل التجاري، خلال العام الماضي، بين تركيا وقطر ارتفع بنسبة 62%، وبلغ 1.019 مليار دولار، ونسعى إلى زيادته إلى 5 مليارات دولار سنوياً".

وأضاف غولش: إن "تركيا من أكبر الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، وقد حققت زيادة في صادراتها العام الماضي، لتصل إلى 157.1 مليار دولار".

وعن تأثير تذبذب الليرة التركية على الصادرات، قال غولش: إن "هذا التذبذب لا يعني ضعف العملة على الإطلاق؛ فالصادرات لم تتأثر سلباً بانخفاضها خلال الفترة الماضية".

جدير بالذكر أن نائب وزير المالية التركي، نور الدين بناتي، أعلن خلال كلمته في قمة الأعمال العربية-التركية، تدشين أنقرة عدة قنوات اتصال حكومية، لتسهيل العقبات أمام رجال الأعمال والمستثمرين العرب، مؤكداً توفير عديد من المحفزات الاستثمارية والضمانات الحكومية والقانونية.

وقال بناتي: إن "تركيا بلد آمن للمواطن والمستثمر الأجنبي، وبها قوانين تتكفل بحماية أموال المستثمرين، وتشجيعهم على توسيع أعمالهم التجارية وأنشطتهم الاستثمارية".

وأضاف: "المستثمر يمكنه الحصول على كل ما يتمتع به المواطن التركي من حقوق، سواء من خلال الحصول على الجنسية التركية للراغبين فيها، من خلال مجموعة من الشروط أعلنتها الحكومة سابقاً، أو منحه بطاقة تركوازية (إقامة بامتيازات خاصة) لغير الراغبين في الحصول على الجنسية؛ تمكِّنهم من التمتع بالمميزات نفسها التي يحصل عليها المواطن التركي".

المصدر: الخليج اونلاين