يظهر بوضوح أن رئيس الحكومة سعد الحريري عازم على السير في التسوية الرئاسية بينه وبين «التيار الوطني الحر»، وعلى هذا الأساس يتجنّب وزراء ونواب وقياديي تيار «المستقبل» الدخول في أي مساجلات وخلافات مع «التيار البرتقالي» حتى أنه ومن خلال معلومات مؤكدة، أن اتصالات جرت بين تيار «المستقبل» في طرابلس مع «التيار العوني»، وذلك بغية دعم المرشحة ديما جمالي، فكان الجواب «نتمنى لها التوفيق»، ولكن لجملة اعتبارات، لم يأتِ الجواب إيجابياً، حيث نقل ما حصل خلال اللقاء إلى رئيس الحكومة الذي تمنى على قيادة «المستقبل» مواصلة اللقاءات والتنسيق مع «التيار الوطني الحر» على الرغم من كل التباينات السياسية. إضافة إلى أنه ينقل عن الذين تابعوا وواكبوا جولات الحريري الإنتخابية في طرابلس، بأنه ووجه من الكثيرين عن أسباب هذا التنازل الذي يقدّمه للعونيين وعن الأهداف الكامنة وراء التسوية الرئاسية، وتجنّبه أيضاً الخوض في أي تصعيد أو مواجهة مع «حزب الله»، فبرّر لهم بما معناه، أن هؤلاء شريحة لبنانية، فلم يقنعونا بالعلاقة مع سوريا، وبالمقابل هناك أوضاع إقتصادية صعبة تستدعي التعاون معهم وهم شريحة أساسية في البلد وفي الحكومة.

وفي السياق نفسه، تشير معلومات سياسية من مصادر عليمة، بأن الحريري فوتح من قبل بعض القيادات التي كانت في قوى الرابع عشر من آذار، حيث استمزجوا رأيه حول إعادة تفعيل هذا الفريق، فكان ردّه غير مقنع، لا بل، كما يقول أحدهم، سلبياً، مبرّراً بأن الظروف تبدّلت وبات شخصاً آخر، حتى أنه انتقد بشكل لاذع بعض القيادات والنواب السابقين الذين كانوا أحد أعمدة هذا الفريق.

وهنا، ترى المعلومات نفسها، أن الرئيس الحريري قد يملك معطيات عن ظروف المرحلة الراهنة تدفعه إلى تجنّب أي صراع أو تصعيد مع «حزب الله»، لا بل أنه عمّم منذ فترة على فريقه السياسي بضرورة الإبتعاد عن المواجهات التي كانت تحصل بين «المستقبل» والحزب، لا بل أنه يسعى وخلال الردّ على بعض التساؤلات من قبل الإعلاميين، إلى اعتبار الحزب مكوّن لبناني وممثّل في المجلس النيابي والحكومة، إضافة إلى ابتعاده أو تسويقه لمسار المحكمة الدولية، خلافاً لما كانت عليه نبرته السياسية ومواقفه في الفترة الماضية، وبناء على هذه الأجواء، فإن الحريري يرفض إعادة إحياء ما كان يسمى ب 14 آذار بعدما أثيرت هذه المسألة خلال زيارتي نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط دايفيد ساترفيلد، ووزير الخارجية مايك بومبيو إلى لبنان، إذ ينقل بأنهما ألمحا إلى إمكانية أو كيفية استعادة فريق 14 آذار لدوره السياسي، وخصوصاً في هذه المرحلة بالذات، ما يعني أن عدم حماسة ورغبة الحريري باستعادة هذه الحقبة، إنما يعود إلى حرصه على التسوية الرئاسية من خلال السير بها حتى نهاية العهد من خلال الإتفاق الذي أبرمه مع وزير الخارجية جبران باسيل، على أن يبقى رئيساً للحكومة أيضاً طوال ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون.

ويبقى، أن ذهاب الحريري إلى عاصمة الشمال لشدّ العصب الإنتخابي والمصالحات التي قام بها مع اللواء أشرف ريفي وقيادات طرابلسية اخرى، إلى تحالفه مع الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي، فذلك يصب في خانة الحفاظ على البيئة السنّية، واستمالة أبناء المدينة كونه وصل إلى مكان فقد فيه قاعدته الشعبية التي لم تهضم التسوية مع «التيار» إلى غياب الخدمات عن المدينة والشمال، مما استدعى أيضاً بقاء أمين عام «التيار الأزرق» أحمد الحريري لأسبوعين في طرابلس، في محاولة لإقناع قواعد ومناصري تيار «المستقبل» لتفهّم الظروف السياسية التي يمرّ بها رئيس الحكومة محلياً وإقليمياً.