بعد النجاح في تمرير مجلس الوزراء خطة الكهرباء، ها هي الحكومة تستعد لبدء دراسة مشروع قانون موازنة العام 2019 المعدلة بالاصلاحات والتخفيضات والاجراءات المؤلمة وغير الشعبية بعد ان طوّقها رئيس الحكومة سعد الحريري باتصالات شملت مختلف القوى السياسية بالتعاون مع وزير المالية علي حسن خليل، وبعد ان نالت «رضى» المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لا يمكن ان يلقى مشروع قانون الموازنة اية اعتراضات سياسية بعد ان مهّد لها رئيس الحكومة وتحذيره من ان يتحول لبنان الى «يونان ثانية» معتبراً ان افضل قرار تم اتخاذه هو القيام باجراءات معالجة العجز والتقشف في الموازنة قبل ان تقع الازمة بينما اضطرت دول اخرى الى اجراءات اصعب واقسى واكثر الماً لأنها انتظرت وقوع الازمة قبل البدء بالمعالجة، ومن هذه الاجراءات ضرورة تخفيض موازنات الوزارات بنسبة 20 في المئة وحقيقة بعد ان باءت هذه الاجراءات بالفشل، وبدلاً من ان يتم التخفيض ارتفع العجز الى 11.5 في المئة من الناتج المحلي، وكان يمكن ان يصل الى 13 في المئة لو لم يسارع خليل الى حصر الانفاق بالرواتب والاجور فقط وادخال تعديلات جوهرية واصلاحية على مشروع قانون موازنة العام 2019 التي ارسلها الى مجلس الوزراء في ايلول الماضي واضطر لاعادتها وادخال التعديلات بعد ان استهجن المجتمع الدولي التأخير الحاصل من قبل الحكومة في اقرار الاصلاحات التي تؤثر سلباً على عدم البدء بمندرجات مؤتمر «سيدر».

واذا كان موضوع درس الموازنة ما زال في اطار الغموض فان البطريرك الماروني بشارة الراعي كشف بعد لقائه الرئيس ميشال عون بأن الاسبوع المقبل (هذا الاسبوع) سيشهد درس موازنة العام 2019، الذي حسب مصادر مطلعة مستعجل على اقرارها في مجلس الوزراء وتحويلها الى اللجنة المالية النيابية لدرسها واقرارها ايضاً بسرعة، خصوصاً ان الرئيس سعد الحريري اخذ على عاتقه ازالة التحفظات السياسية على الاصلاحات و«القرارات المؤلمة» التي ستكون في هذه الموازنة منعاً للوصول الى التجربة اليونانية، بعد ان صاغها مع وزير المالية علي حسن خليل وبعض الافرقاء السياسيين، بحيث ان الممر الاجباري لاقرار هذه الموازنة سيكون من خلال التوافق السياسي علها رغم التحفظات التي ستطلقها هذه القوى خصوصاً في ما يتعلق بتخفيض رواتب الوزراء والنواب حيث اعتبر خليل ان هذا الموضوع نهائي وجدي رغم ان «بعض الزملاء النواب سيعتبره مجحفاً بحقهم لان بعضهم يعتبره مصدر معيشي لهم، ولكن نحن مضطرون اليوم الى اتخاذ قرارات موجعة على صعيد الانفاق».

ومن القرارات المؤلمة ما يتردد عن تخفيض او الغاء بعض المنافع المادية لجمعيات ومؤسسات لا تبغي الربح، وتخفيض او الغاء بعض التسهيلات التي تعطى لموظفي القطاع العام من طبابة واقساط مدرسية وغيرها، وان كانت المصادر الاقتصادية ترفض ان تمس الرواتب والاجور بعد ان تنامى عن امكانية تخفيضها بنسب معينة خصوصاً ان بعض الوزراء يؤيدون ذلك وهم من المحبزين لها، لكن رئيس المجلس النيابي يرفض حتى الآن المس بهذه المكتسبات للموظفين محذراً من اتخاذ اي خطوة تراجعية في هذا الاطار.

اضافة الى ذلك من القرارات الموجعة ما يتم الحديث عنه عن تعديل في نظام التقاعد، خصوصاً ان وزير المالية تحدث من انه عمل في الموازنة على كل التخفيضات الممكنة، حيث يوجد اهدار او اموال تذهب في غير مكانها او لغير الادوار الصحيحة لانفاق المال وقد وضع رزمة تخفيضات لا تطال الاستقرار العام لكنها بالتأكيد تحدث فرقاً على مستوى تخفيض العجز.

ويعترف خليل انه لو اقرت الموازنة وفق مطلب الوزارات تخطى عجز الموازنة الـ12 الى 13 في المئة من الناتج القومي بينما يحاول اليوم عبر الاصلاحات والتخفيضات الى تراجع العجز الى اقل من 9 في المئة من الناتج القومي.

رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور جوزف طربيه وفي منتدى المال والاعمال الذي نظمته كونفكس الاسبوع الماضي ردد بأن ما نسمعه من بعض الاصوات التي تستهدف المصارف وتوظيفاتها في الدين العام كسبب لتفاقم عجز الموازنة بدلاً من معالجة الاسباب الحقيقية لهذا العجز، ينتج عنه في المحصلة ابقاء الوضع دون معالجة اسبابه وتسميم المشهد المالي بما يؤدي الى خفض التصنيف الائتماني واقفال الاسواق المالية العالمية والمحلية امام الدولة في وضع تستمر فيه حاجتها للاستدانة مجدداً، مع العلم ان القطاع المصرفي ليس محايداً في صناعة الانقاذ وفي اعادة تصويب مسار الاقتصاد على سكة النهوض والنمو، وما من شك ان القطاع المصرفي سيظل ملتزماً مساندة الدولة بمؤسساتها وسلطاتها الدستورية.

وبالتالي السؤال هو كيف ستساهم المصارف في عملية الانقاذ؟

كان القطاع المصرفي يطالب تحقيق الاصلاحات لتخفيض الفائدة وللبحث في امكانية المعالجة، واذا كان طرح وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش غير منطقي وغير واقعي لان هناك 22.5 في المئة من المستثمرين واسواق المال وبعض الدول تحمل ديناً عاماً على الدولة وبالتالي لا يمكن ان يخفض القطاع المصرفي واحد في المئة من الدين العام والا تعرض لبنان للشكوى امام المحافل الدولية كما حدث مع الارجنتين بينما هناك 77.5 في المئة يملكها مصرف لبنان والمصارف اللبنانية، لذلك فان الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور غازي وزني يصر على مشروعه الذي يطالب بـ6 مليارات دولار بفائدة صفر مما يؤدي الى وفر 535 مليار ليرة في السنة لمدة سنتين و620 مليار ليرة لمدة ثلاث سنوات.

ويضيف وزني ان مصرف لبنان عمد في تشرين الاول الماضي الى الاكتتاب بسندات بفائدة واحد في المئة مما ادى الى وفر في الدين العام قدّر بـ520 مليار ليرة، وكما فعل مصرف لبنان يفترض بالمصارف ان تحذو حذوه من اجل عملية الانقاذ.

على أي حال، فان هذا الاسبوع ستتم فيه معرفة المسار الذي ستسلكه الموازنة وعما اذا كانت الحكومة ستعمد الى جلسات متتالية لاقرارها سريعاً تمهيداً للبدء بتنفيذ مؤتمر سيدر، مع العلم ان الرئيس ميشال عون وسعد الحريري هما الاكثر تشجيعاً للاسراع في بتها بالسرعة القصوى.