بولا مراد

يعرف تيّار «المستقبل» أن معركة الانتخابات الفرعية في طرابلس غداً، محسومة مسبقاً لصالح مرشحته ديما جمالي، ورغم ذلك يواصل حشده للمعركة غير المتكافئة، إن لجهة ملازمة الأمين العام للتيّار أحمد الحريري لعاصمة الشمال منذ أن أبطل المجلس الدستوري نيابة جمالي، مروراً بزيارة الرئيس فؤاد السنيورة والنائبة بهيّة الحريري، والتي توّجت بانتقال رئيس الحكومة سعد الحريري شخصياً أمس الجمعة، سعيا لتأمين حشد شعبي يحفظ ماء الوجه في منازلة الأحد الانتخابية.

التفسير الوحيد لهذا الاستنفار والتجييش الذي يكتسب في محطات كثيرة شحناً سياسياً وحتى طائفياً ضدّ خصوم «المستقبل»، هو أن «التيار العابر للطوائف» لا يجد وقوداً لحملاته الانتخابية، الا بطرح عناوين مذهبية بغيضة لفظها الناس مع انتهاء الحرب الأهلية، وتركيز هجومه على حزب الله وكأنه يخوض معركة مع المقاومة في الضاحية الجنوبية، وليس في معقله السنّي، وقد رأت شخصية سياسية شمالية أن هذا الخطاب «يتخطى الانتخابات الفرعية شبه المحسومة، الى ما يشبه الاستفتاء على شعبية التيّار الأزرق، التي تراجعت كثيراً بعد المتغيرات التي طرأت على تحالفاته السياسية، خصوصاً بعد التسوية التي ابرمها مع الرئيس نجيب ميقاتي في الحكومة، ومصالحته مع اللواء أشرف ريفي، الذي يتكفّل مهمّة الهجوم على حزب الله وحلفائه نيابة عن المستقبل و«صقوره».

قبل ساعات معدودة على فتح صناديق يبدو أن «المستقبل» غير مطمئن لاستنهاض همّة الشارع الطرابلسي، وتحفيزه على التصويت بكثافة لجمالي، وبرأي المصدر السياسي الشمالي فإن الطرابلسيين «سئموا الشعارات الانتخابية المستهلكة، والتي يعتمدها «المستقبل» منذ العام 2005 عندما حذّر يومها من ترك الساحة لقتلة رفيق الحريري، وفي 2009 نبّه من التصويت لحلفاء السابع من أيار، وفي العام 2018 تجددت الشعارات الطائفية والتخوينية، الممزوجة بوعود إنمائية لطرابلس ورفع الحرمان عن المدينة الأكثر حرماناً في لبنان، بينما الممارسة مختلفة على أرض الواقع». ويشدد السياسي الطرابلسي على أن «التجربة تثبت العكس، إذ أنه في السياسة يجد الشارع الطرابلسي تيار «المستقبل» أكثر انخراطاً في الشراكة مع «حزب الله» وحلفاء سوريا في الحكومة والمجلس النيابي، وتقاسم غنائم السلطة في التعيينات والصفقات، أما وعود الانماء فقد بقيت كلاماً في الهواء، فيما تغرق المدينة في فقر مدقع، وأبناؤها يصبحون أمام خيارين إما الانحراف واستمالتهم من جماعات مشبوهة، وإما هجرتهم في البحر، وملاقاة المصير المرّ والموت غرقاً في قاع البحار».

لا شكّ أن تحالف الحريري الجديد مع ميقاتي وريفي وقبلهما الوزير السابق محمد الصفدي، يساهم الى حدّ كبير بضمان فور مرشّحته، لكنّ ثمة قلق من ردّة فعل يُعَبّر عنها بانكفاء الناس عن صناديق الاقتراع، لينكشف بوضوح مدى امتعاض الشارع الطرابلسي، وما يمثّل من ثقل سنّي، من الوعود التي سرعان ما تتبخّر مع إقفال صناديق الاقتراع، وهو ما خبره الناس في الاستحقاقات السابقة. ولا يخفي الطرابلسيون أن شعارات الحملة الانتخابية ليست قابلة للتسويق لدى عائلات لا تملك ثمن ربطة الخبر لأطفالها. ويرد مصدر طرابلسي الاحجام الكبير عن المشاركة والذي سيلمسه الجميع لمس اليد مساء الاحد، الى غياب المال الانتخابي، لافتا الى ان ايا من المرشحين لم يعرض حتى الساعة ولو قرشا واحدا على الناخبين حتى انهم لم يدفعوا اي مبلغ للتسويق والظهور الاعلامي بعدما تم دفع الملايين في الانتخابات الاخيرة.

وبرأي المراقبين لمجريات المعركة، فإن «المستقبل» يخوض الانتخابات الفرعية من دون عنوان سياسي، فيما يسعى عبرها لإثبات حضوره في عاصمة الشمال، ولتصبح مؤشراً لانتخابات الـ 2022، وهذا يتوقّف أيضاً على مدى استمرار التحالف السياسي بين الحريري وميقاتي وريفي، ليكون هذا التحالف خشبة خلاص الجميع. أما على الضفّة المواجهة للحريري وتيّاره وحلفائه، ثمة خطاب يقدّمه المجتمع المدني الذي لا يأتلف مع السياسيات المتبعة منذ سنوات، الذي يحشد أنصاره تحت عنوان «مواجهة منظومة فساد السلطة والمحاصصة السياسية والطائفية». وهذا العنوان يجد قبولاً في الشارع الطرابلسي، وهو ما يزعج تحالف السلطة والمال في مدينة الحرمان بامتياز.

أمام صعوبة تبرير الحريري وفريقه لتجاهل طرابلس وحقوقها، بدءاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة الى معرض رشيد كرامي الدولي الى تغييبها عن المشاريع الإنمائية، يعترف تيّار «المستقبل» بأحقية صرخة أبناء المدينة ومرارتها، الا أنه يشدد على أن الواقع الطرابلسي جزء من الواقع اللبناني ككل، ويؤكد قيادي في تيّار «المستقبل» أن معاناة الفيحاء ليست غائبة عن عناية الرئيس سعد الحريري، ويشير الى أن «وجود الحريري في طرابلس لم يكن بهدف التسويق لمرشحته، بل ليقول للناس كنت وسأبقى معكم». ويقول القيادي المستقبلي: «الطرابلسيون يريدون منا جميعاً أن نسمع اوجاعهم، وأن نلبي حاجاتهم».

مساء غدٍ الأحد تقفل صناديق الاقتراع، وقد تعيد نتائجها ديما جمالي الى مقعدها الذي خسرته قبل أسابيع، لكن ماذا في اليوم التالي؟، هل يترجم «المستقبل» وحلفاؤه بعضاً من وعود رفع الحرمان عن طرابلس، أم تصبح وعودهم من الماضي، ويثبتون أن الناس لم تكن في حساباتهم سوى أرقاماً تستخدم عند الحاجة؟.