ناجي بستاني

بعد رفض المُرشّح طه ناجي خوض المعركة الإنتخابيّة الفرعيّة في طرابلس، إعتراضًا على قرار المجلس الدُستوري الذي أخذ بالطعن المُقدّم من قبله بنيابة ديما الجمالي، من دون أن يُعلن فوزه، أجمعت التحاليل على أنّ إسترجاع الجمالي لقب «سعادة النائب» صار أكيدًا، باعتبار أنّ أحدًا من المُرشّحين المُنافسين غير قادر على الوُقوف بوجه التحالف الإنتخابي المُتعدّد الجهات الذي أمّنه «تيّار المُستقبل» لدعم مُرشّحته. لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل سيتمكّن «المُستقبل» من تسجيل ما يطمح له من فوز مريح وكبير، أم أنّ الأرقام ستكون هزيلة وستُصيبه بالحرج أمام مُختلف القوى السياسيّة، أكانت حليفة أم مُنافسة؟

بداية لا بُد من التذكير أنّ الإنتخابات الفرعيّة التي ستجري وفق مبدأ التصويت الأكثري وليس النسبي، محصورة في طرابلس من دون الضنيّة والمنية، وبالتالي إنّ مجموع الناخبين الذين كان قد بلغ 350,144 ناخبًا في «دائرة الشمال الثانية» خلال الإنتخابات الأخيرة، تراجع إلى 237,330 ناخبًا فقط في الإنتخابات الفرعية التي ستجري غدًا الأحد. تذكير أيضًا أنّه في الإنتخابات الماضية، بلغت نسبة التصويت في دائرة «طرابلس ـ الضنية ـ المنية» 43,34 % على الرغم من تنافس 8 لوائح ضمّت 75 مُرشّحًا آنذاك، علمًا أنّه في أي إنتخابات فرعيّة تتراجع نسبة التصويت بشكل كبير، مهما بلغ حجم التجييش، وهذا الأمر هو ما يُقلق «تيار المُستقبل» الذي إستنفر مجموعة مُتكاملة من الشخصيّات ومن الكادرات الحزبيّة، وُصولاً إلى تحرّك رئيس الحكومة سعد الحريري شخصيًا إلى طرابلس للقاء قياداتها، وذلك بهدف دعم معركة جمالي الإنتخابيّة، سياسيًا وإعلاميًا ولوجستيًا، إلخ.

بحسب مصدر مُتخصّص بشؤون الإنتخابات، إنّ «تيّار المُستقبل» الذي كانت نالت لائحته 25,468 صوتًا في طرابلس، أي من دون إحتساب الأصوات التي نالها في الضنية والمنية، ولا أصوات الناخبين غير المقيمين في لبنان الذين لن يُشاركوا في الإنتخابات غدًا، يُدرك تمامًا خطر تدنّي نسبة المُشاركة في الإقتراع، لأنّه في حال تراجع نسبة التصويت إلى النصف أي من 43 إلى 21,5 % مثلاً، فإنّ «أصوات المُستقبل الذاتيّة» ـ إذ جاز التعبير، ستتراجع إلى حُدود 12500 صوت تقريبًا، وذلك حتى مع إحتساب أنصار كل من النائبين محمد كباره وسمير الجسر! وأضاف المصدر نفسه أنّ هذا الرقم يحتاج لدعم أكثر من جهة سياسيّة في عاصمة الشمال، حتى لا يبدو هزيلاً، باعتبار أنّ مجموع الناخبين المُسجّلين على لوائح الشطب في طرابلس يبلغ نحو 238000 ناخب! وتابع مُوضحًا أنّه من هنا، سعى «تيّار المُستقبل» لتأمين أوسع إجماع مُمكن حول المُرشّحة جمالي التي كانت قد نالت 2066 صوتًا تفضيليًا فقط في الإنتخابات الأخيرة، وحلّت أخيرة بين المُرشّحين الخمسة الذين فازوا على لائحة «تيّار المُستقبل» على مُستوى «دائرة الشمال الثانيّة» بكاملها.

وبالنسبة إلى القوى التي ستمدّ مُرشّحة «المُستقبل» بالدعم، ذكّر المصدر المُتخصّص بشؤون الإنتخابات بأنّ «تيّار العزم» الذي أثبت بالأرقام أنّه الأقوى في طرابلس، حيث نالت لائحته 28,695 صوتًا في «عاصمة الشمال» وحدها في الإنتخابات الأخيرة، قادر على مَدّ الجمالي بآلاف الأصوات الإضافية بسُهولة، بينما اللواء المُتقاعد أشرف ريفي الذي كانت لائحته قد حصدت في طرابلس وحدها 7,663 صوتًا، غير قادر على تأمين أصوات كثيرة داعمة للمُرشّحة جمالي، خاصة في حال تدنّي النسبة الإجماليّة لعمليّات الإقتراع.

وعن قُدرة باقي الشخصيّات المُرشّحة على جذب الناخبين، قلّل المصدر المُتخصّص بشؤون الإنتخابات من فرص هذا الإحتمال، بسبب تشتّت المُرشّحين المُستقلّين، وبسبب إنقسام «المُجتمع المدني»، وكذلك نتيجة عدم معرفة الناخبين في طرابلس بالكثير من المرشّحين، علمًا أنّ لائحة النائب السابق مصباح الأحدب الذي يُعتبر وجهًا طرابلسيًا سياسيًا معروفًا، كانت حازت خلال الإنتخابات الأخيرة على ما مجموعه 3,195 صوتًا فقط في عاصمة الشمال، ما يجعل فرص المُنافسة الجدّية غائبة عن مُختلف المُرشّحين بوجه مُرشّحة «المُستقبل». وعن إحتمال أن تُفاجئ الشخصيّات التي كانت منضوية ضمن لائحة «الكرامة الوطنيّة» مُتابعي الإنتخابات في طرابلس، عبر تبنّي أي مرشّح من المُرشّحين المُستقلّين في اللحظة الأخيرة، رأى المصدر أنّ قوى «8 آذار» جدّية في قرار مُقاطعة العمليّة الإنتخابيّة، ولن تُشارك بها إلا ربما على مُستوى فردي غير مُنظّم من قبل بعض الناخبين، مع التذكير أنّ لائحة «الكرامة الوطنيّة» كانت نالت 15,799 صوتًا في طرابلس خلال الإنتخابات الماضية، وهذا الرقم لا يكفي للفوز بإنتخابات وفق النظام الأكثري، خاصة وأنّ المعارك الفرعيّة لا تجذب الناخبين.

} بين الإمتعاض... وإثبات الحُضور }

من جهة أخرى، وبحسب أوساط سياسيّة طرابلسيّة مُطلعة، إنّ رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي الذي هو الأقوى في طرابلس، يريد من جهة فرض حُضوره وإثبات قُدراته التجييريّة، لكنّه يخشى في الوقت عينه من أي توظيف للفوز المُتوقّع للمُرشّحة جمالي، في خانة مُناكفات سياسيّة داخليّة، لا يريد ميقاتي إدخال نفسه أو أنصاره بها على الإطلاق، مع العلم أنّ المُشكلة تكمن أيضًا في غياب الحماس لدى الناخبين المُستائين بأغلبيّتهم من الأوضاع العامة، والذين لا يشعرون بأنّهم معنيّون بهذه المعركة الإنتخابيّة الفرعيّة. وأضافت أنّ كلاً من النوّاب ميقاتي من جهة، وكباره والجسر من جهة أخرى، سيعمد على الأرجح إلى توجيه دُفعات مُنظّمة من الناخبين إلى صناديق الإقتراع لدعم مُرشّحة «المُستقبل»، بهدف إثبات الحُضور والنُفوذ داخل مدينة طرابلس، لكن بالتزامن مع السماح بإحتساب هؤلاء الناخبين على الجهة التي تُحركهم وليس على المُرشّحة جمالي، باعتبار أنّه يُوجد إمتعاض من مُحاولات لاحتساب بعض أصوات الناخبين في غير مكانها.

وبحسب هذه الأوساط إنّ «الإمتعاض» يسود أيضًا مُناصري اللواء ريفي الذين لم يتجاوزوا بعد تصرّفات ومواقف «المُستقبل» إزاء اللواء ريفي على الرغم من فتح صفحة جديدة حاليًا، وكذلك أنصار حزب «القوّات اللبنانيّة» في طرابلس - على قلّتهم، حيث أنّ جمالي زارت معراب منذ بضعة أيّام لتطلب دعم «القوات» الإنتخابي، مع العلم أنّ عدد المُقترعين المسيحيّين بكاملهم في طرابلس لم يُلامس الخمسة آلاف مُقترع في الدورة الأخيرة. وإمتعاض مُناصري «القوّات» يعود إلى الإنتخابات النيابيّة الأخيرة، عندما رفض «المُستقبل» ضمّ أيّ مُرشّح «قوّاتيّ» إلى لائحته في طرابلس، بحجّة حزازيّات مُتوارثة من أيّام الحرب الأهليّة، فما كان من «القوات» إلا أن إقترحت في حينه، ضمّ أحد المُرشّحين غير الحزبيّين من قوى «14 آذار»، على غرار رئيس «حركة التغيير» إيلي محفوض أو غيره، إلا أنّ «المُستقبل» رفض ذلك أيضًا!

وختمت الأوساط السياسيّة الطرابلسيّة المُطلعة كلامها بالقول إنّ «تيّار المُستقبل» سيكون غدًا أمام إمتحان إبعاد إحراج الأرقام الضعيفة، بغضّ النظر عن الفوز المُتوقّع للمُرشّحة جمالي، بينما باقي القوى السياسيّة في طرابلس - إن المُؤيّدة لتيّار «المُستقبل» أو تلك التي وعدت بدعمه في المعركة الفرعيّة فقط، أمام إمتحان إثبات الوُجود والقُدرة على التجيير، في ظلّ إمتعاض مُناصريها أو عدم حماستهم للمعركة الفرعيّة. وأضافت: «لكن الكلمة في النهاية ستكون للناخب الطرابلسي، وليس لأي جهة أخرى».