دموع الاسمر

لا يخفى على احد ان جولة الرئيس الحريري في طرابلس يوم امس كانت جولة انتخابية لرفع الهمم لدى قيادات طرابلس السياسية وحضهم على ترجمة دعمهم لمرشحة المستقبل جديا وليس لفظيا وحسب.

لكنها لم تخل من محطات صادمة للرئيس الحريري انعكست على محياه في اللقاءات التي تلت صلاته في مسجد السلام حيث دعا أمام مسجد المصلين في خطبته الى انتخاب ديما جمالي الامر ألدي استفز شريحة من المصلين الذين رفعوا صوتهم وحاولوا الاقتراب من الحريري لإبلاغه بأنهم لن يلتزموا لدعوة امام المسجد ولن يقترعوا لمصلحة جمالي وسائلين الرئيس الحريري مباشرة لماذا لا نشاهدك في طرابلس الا في المواسم الانتخابية ومنهم من سأل عن مصير موظفي سعودي أوجيه والبعض الآخر عن حصة طرابلس من «سيدر».

هذه الجولة شاءها الحريري أن تتوج مصالحته مع الرئيس نجيب ميقاتي ومع اللواء اشرف ريفي وليوحي بجدية هذه المصالحة مع الوقوف على خاطر النائب محمد كبارة اثر منعه من الاستقالة لترشيح نجله...

لا بد اولا من تسجيل ملاحظات عديدة ابدتها شخصيات طرابلسية معارضة لنهج الرئيس الحريري من جهة ومقربة من المرشحين المنافسين للمرشحة جمالي التي حازت اجماع التيارات السياسية الكبرى في طرابلس والتي وضعت فوزها في خانة شبه المؤكد إن لم تحصل مفاجآت وهي مستبعدة الحصول حتى الآن..

هذه الملاحظات اجمعت وبحسب الشخصيات المعارضة للحريري، على ان السلطة اللبنانية ممثلة برئيس الحكومة منحازة بشكل فاضح ونافر الى جانب مرشحة من عدة مرشحين الامر الذي يسجل شوائب في العملية الانتخابية قبل حصولها وهي انها عملية تخالف كل القوانين والاصول المرعية الاجراء وتنافي كل اشكال الديموقراطية والنزاهة بحشد كل قوى السلطة بجانب مرشحة من المرشحين، فيما كان المفترض أن يكون رئيس الحكومة على مسافة واحدة من جميع المرشحين افساحاً في المجال لعملية ديموقراطية يتنافس فيها المرشحون في اجواء نزيهة ديموقراطية بينما الذي حصل شكل طعنة لهذه الديموقراطية ولم تحصل في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان منذ الاستقلال بهذا الشكل الفاضح من التدخل، ولم يستسغ الكثير من مرجعيات طرابلسية التبرير الذي تذرع به الحريري حين قال ان «وجوده في طرابلس هو كسعد الحريري وليس كرئيس للحكومة»...

جولة ماراتونية للرئيس الحريري في طرابلس خصصها للقيادات الطرابلسية التي اعلنت وقوفها بجانب خيار الرئيس الحريري بمرشحة لم تقنع كثيرا هذه القيادات حتى انها لم تقنع قيادات في تيار المستقبل، غير أن المصلحة السياسية في التوافق وتجنب الانقسامات دفعت الى هذا التوافق بل ان هناك في طرابلس من اعتبر ان تلمس الحريري لخطورة ما آل اليه تيار المستقبل من تراجع دفعه الى عقد هذه المصالحات ومن ثم اللقاءات مع القيادات الطرابلسية وتجاوز الخلافات التي كانت تمنع الرئيس الحريري من مصالحة ريفي او اللقاء مع الرئيس ميقاتي...

وقد لاحظ مراقبون في طرابلس ان الرئيس الحريري استهل جولته الطرابلسية من بوابة الوزير محمد الصفدي وهي اشارة الى عمق العلاقة التحالفية بين الرجلين، فيما الرئيس السنيورة استهل جولته امس الاول من بوابة الرئيس ميقاتي مما يشير الى خطة «مستقبلية» ذكية ومدروسة لاستيعاب تناقضات طرابلس والخلافات بين بعض قياداتها...

كما لوحظ الخطاب الهاديء للرئيس الحريري عكس خطابات احمد الحريري وقيادات المستقبل منذ بدء الحملة الانتخابية مما فسره البعض ان الرئيس الحريري في جولته تعمد عدم استفزاز احد في خطاباته ولإزالة مخلفات حملات احمد الحريري وديما جمالي المستفزة لشريحة من الشارع الطرابلسي، اضافة الى ان الحريري حصر خطاباته في كل اللقاءات التي عقدها بالجانب الانمائي وبالرد على من اسماهم» المشككين» بسيدر، وانه سيتفرغ لجولات يقوم بها في طرابلس والشمال كله والبقاع والهرمل وبعلبك والجنوب وكل لبنان...

كما كان لافتا حديثه في منزل اللواء ريفي في التأكيد على لبنان بحاجة الى جميع مكوناته السياسية وان الوقت ليس وقت انقسامات وتحديات، حتى انه لفت الى عدم التقائه اقليميا سياسيا مع حزب الله ولكن الحاجة الى الاستقرار ضروري كي نشجع المستمثرين الى زيارة لبنان من اجل النهوض الاقتصادي.

وتقول الشخصيات ان الحريري تعلم من اخطائه حين قال امام الرئيس ميقاتي في دارته بعد حفل الغداء اننا جميعا نتعلم من اخطائنا وللرئيس ميقاتي حقه في طموحاته كما يحق لي ولاي شخصية سياسية، ولذلك قال انه اخذ هو والرئيس ميقاتي واللواء ريفي والصفدي وكبارة قرارا باكمال معاً...

ربما القلق الذي يعتري الحريري هو تدني الاقبال على الاقتراع حيث تسود الساحة الطرابلسية رغم كل هذه الجولات ورغم ما قاله الحريري من منصة الرئيس ميقاتي عن ضرورة ادلاء الناخبين بأصواتهم للتعبير عن آرائهم حتى لو انتخبوا المنافس لعله كلام مستجد لدى الحريري حين يعتبر ان الاقتراع حق وخطوة للتغيير، ذلك لان هناك من يشير الى ان الناخبين ليسوا متحمسين الى الاقتراع بالرغم من كل هذه الحملة الاستثنائية لتيار المستقبل رئيسا وقيادات وكوادر وحلفاء لان النتيجة المتدنية ستكون نكسة للجميع.