فادي عيد

إذا كان التوافق الرئاسي على موازنة تقشّفية قد بات أمراً محسوماً اليوم، فإن تفادي سيناريو اليونان يتطلّب أكثر من التقشّف، كما كشف خبير اقتصادي ومالي واكب التجربة اليونانية عن كثب، ولاحظ عدم وجود شبه كامل ما بين لبنان واليونان في مجالات عديدة، وفي مقدّمها في مجال الدين العام اللبناني، والذي يختلف عن الديون السيادية اللبنانية. ويؤكد الخبير نفسه، أن الأزمة اللبنانية خطرة بعدما وصل التضخّم إلى نسبة مرتفعة، ولكنها بعيدة كل البعد عن أزمة اليونان عندما ارتفعت نسبة التضخّم إلى خمسة أضعاف النسبة المسجّلة في لبنان، واليونان قد وصل إلى هاوية الإفلاس بسبب ديونه، وتمكّن من الخروج منها عبر سياسة تقشّفية قاسية، فيما لبنان يعمل على تفادي الوصول إلى قعر هذه الهاوية، وقد باشر سريعاً اعتماد سياسة التقشّف انطلاقاً من الإجراءات القاسية المتّبعة في موازنة العام 2019، والتي ما زالت تُدرَس في المجالس المغلقة، من دون أن يتّضح مسارها النهائي، وذلك، بالنسبة للتطبيق وفق قرار سياسي متّخذ على أعلى المستويات بدأ يعدّ له رئيس الحكومة سعد الحريري في لقائه الأخير مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.

لكن هذا الأمر ما زال متوقّفاً نتيجة انعدام التغطية السياسية التي يريدها رئيس الحكومة كاملة، كما كشف الخبير المالي، والذي أوضح أن هذه التغطية قد تأمّنت في اليونان، مما ساعده على الخروج من الإفلاس وعلى تسديد ديونه الخارجية والدولية. وبالتالي، فإن محاولات السير بسياسة التقشّف وبالإجراءات «الموجعة»، ما زالت في بداياتها، خصوصاً في ظل التسريبات من قبل بعض الكتل النيابية حول موقف مبدئي رافض لأي تخفيضات للرواتب، أو حتى لفرض ضرائب على اللبنانيين، وصولاً إلى اقتطاع نسبة محدودة من مكتسبات الموظفين، والتي تتمثّل بحقوقهم في سلسلة الرتب والرواتب.

ومن هنا، فإن المقارنة ما بين لبنان والنموذج اليوناني لا تصحّ، وإن كان العنوان العام في الأزمة المالية مشتركاً بينهما، حيث يؤكد الخبير نفسه، أن الحكومة قد أطلقت الوعود بالإصلاح، ولكنها هي من تأخّر في الالتزام بالوعد الأول، وهو إنجاز الموازنة من أجل إعادة الانتظام المالي والاقتصادي للبلد من خلال تخفيض واضح في أرقامها تمهيداً لتخفيض العجز. وأضاف أن حال التململ المسجّلة في أكثر من مؤسّسة دستورية، وخصوصاً في أوساط النواب، كما في أوساط الموظفين في كل القطاعات، تدفع نحو طرح خطوات إصلاحية في مجالات أخرى غير مجال تخفيض الرواتب، لأن التقشّف يجب أن يطبق على الجميع، وبالتالي، من شأن هذا المناخ أن يؤدي إلى فرملة، ولو لفترة محدودة، للتوجّه نحو المسّ بالحقوق المالية للموظفين، والذهاب نحو إجراءات تقشّفية في ميادين أخرى مرتبطة بضبط كل مزاريب الهدر ومكافحة عمليات الفساد التي يجري الحديث عنها بشكل كبير وصريح ودراماتيكي في الآونة الأخيرة.

ومن هنا، فإن المرحلة الصعبة والمعقّدة التي نعيشها، تحتاج إلى أكثر من التحذير من التجربة اليونانية، وهو الاتفاق بين كل القوى السياسية على مختلف مشاربها، على لملمة كل الملفات الخلافية المطروحة ووضعها جانباً في هذه المرحلة البالغة الدقة والخطورة، تمهيداً لإفساح المجال أمام المعالجات الإقتصادية الحقيقية والمتخصّصة من خلال العمل الفعلي الدؤوب، وليس من خلال الطروحات الرنّانة والخطابات التي تتناقض مع الأداء المسجّل في مجال الإنفاق.