نبيه البرجي

كعرب، وقد تحولنا، شيئاً فشيئاً، الى أوان فارغة، اعتدنا تلقف الأخبار السيئة. ذاك اليوم لم نكن نتوقع أسوأ من خبر منع السلطات المصرية ناقلتي نفط الى سوريا من العبور في قناة السويس.

لن ندخل في الشائعات، وفي الأقاويل، المتداولة، ولا حول مصدر النفط، وهي ايران التي تتعقبها العقوبات على امتداد الكرة الأرضية، ربما وصولاً الى المريخ. طريف ذلك المدوّن الايراني الذي كتب «متى تصدر الولايات المتحدة قراراً بمنعنا من الدخول الى الجنة؟».

لا نتصور أن ثمة مشكلة في هذا المجال. أئمة المساجد في كل مكان يمتلكون صلاحية منح التأشيرات الى الجنة. بحسب معلوماتنا، صلاحيات أميركا تقتصر على اعطاء تأشيرات دخول الى جهنم.

نعلم أن سوريا التي تشملها العقوبات أيضاً تعاني، بين الحين والآخر، أزمات حادة في الوقود. الشتاء كان قاسياً ومريراً. دائماً تجد في الحروب هذا النوع من مصاصي الدماء.

القيادة السياسية منهمكة في مسائل، ومشكلات، هائلة. ماذا تفعل السلطات الأخرى؟

واثقون من أن هناك من يعمل ليل نهار لمساعدة الناس على مواجهة التداعيات الكارثية للحرب على الحياة، وعلى احتياجات الحياة. ثمة تقصير من بعض الجهات. ثمة تواطؤ من جهات أخرى. ليتهم يتعلمون من الأدبيات الألمانية غداة الحرب العالمية الثانية، وحين كانت برلين غابة من الأنقاض.

...لكنها مصر. لطالما تغنينا ببهية، وبعيون بهية.

أين هي مصر؟ لن نستخدم تعبير «الغيبوبة الكبرى» الذي رددته أمامنا شخصية سياسية مصرية. رأت «القيامة مستحيلة حتى يوم القيامة».

كيف لنا نحن الذين ترعرعنا على عشق مصر أن نتعامل معها كركام استراتيجي، كركام سياسي، كركام اقتصادي؟ في أحسن الأحوال ظل لمن توقف فيهم الزمن منذ أن ووري آدم الثرى.

دعونا نستخدم تعبير «الغياب الكبير». على رأس الدولة في مصر رجل عسكري يفترض أن يدوي صوته في أرجاء المنطقة، لا أن يقول للناس «اعمل ايه؟». باستطاعته أن يفعل الكثير. أن يكون صاحب الكلمة الكبرى (والعليا) في منطقة حلت بها كل انواع النوازل.

أين مصر في ليبيا التي تتبعثر قبلياً، ومناطقياً؟ اين هي في السودان الذي قد تنتظره حلقة، او حلقات، أخرى من مسلسل الانفصال؟

فوق هذا كله، أين هي مصر في سوريا؟ منذ ايام الفراعنة، كانت هناك قناعة ثابتة بأن البلدين يشكلان مدى حيوياً واحداً. أي حالة وهن تحل بأحدهما تنعكس، تلقائياً، على البلد الآخر.

في عهد جمال عبد الناصر، استنفرت كل القوى الأمبرطورية، ومعها ذلك النوع من الأعراب، لفك الوحدة بين مصر وسوريا.

لا نغفل الخطأ الهائل بتسليم الملف السوري الى عبد الحكيم عامر، الشخصية الغبية، الهشة. الذي أقصى ما يفقهه في الادارة السياسية، والادارة الاستراتيجية، المامه بمفاتن برلنتي عبدالحميد. هذا ما سمعناه من بطل العبور الفريق سعد الدين الشاذلي.

الديبلوماسي الأميركي المخضرم جورج بول، وهو من «المستعربين» في وزارة الخارجية الذين حطمهم هنري كيسنجر وجوزف سيسكو، أكد، في دمشق، أن كيسنجر خطط، بمنتهى الدقة لتلك اللحظة التي تنفصل فيها السياسة المصرية عن السياسة السورية. هكذا كانت زيارة أنور السادات لـ «أورشليم».

على الأقل، يفترض بالرئيس السيسي، وقد وصفه دونالد ترامب بـ«الرجل العظيم»، الذي توليه التعديلات الدستورية البقاء في السلطة حتى عام 2034، أن يرى ما يفعله «عدوه» رجب طيب اردوغان على الأرض السورية.

هل خفت الصوت المصري (لعله صوت فاتن حمامة) الى الحد الذي يمنعه من أن يقول لأهل البلاط ان سقوط سوريا يعني سقوط مصر، ويعني سقوط السعودية، بل ويعني سقوط المنطقة بأسرها.

لا صوت في مصر، ولا صوت لمصر. الغيبوبة الكبرى أم الغياب الكبير؟ ندرك مدى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأرض الكنانة. ندرك أيضاً ما فعلته الامبراطوريات بمحمد علي باشا، الآتي من بلاد الأرناؤوط والذي قال ان الدم العربي يسري في عروقه. ندرك ما فعلته الامبراطورية الأميركية التي ورثت الأمبراطوريات الأوروبية على ضفاف السويس، بجمال عبد الناصر.

هوذا مأزق عبد الفتاح السيسي. غريب أنه لم يتمكن من احتواء بضع مئات من أصحاب اللحى المسننة في شبه جزيرة سيناء، وحيث لا تضاريس تذكر. ماذا عن سوريا حيث شرّع رجب طيب اردوغان الأبواب، وبالمال العربي اياه، أمام الجحافل الآتية من اصقاع الأرض؟

الخبراء الغربيون يتحدثون عن ثلاث دول محورية في الشرق الأوسط (تركيا، ايران، اسرائيل). لا ذكر البتة لمصر.

نعلم تماماً ما يعنيه دونالد ترامب حين يقول ان العلاقات بين واشنطن والقاهرة لم تكن، يوماً، أفضل مما هي عليه الآن. اذاً التماهي، والى حد التلاشي، في... الحالة الأميركية.

نفهم أن تتلاشى المملكة (ككونسورتيوم قبلي). كيف ينسحب ذلك على مصر، بالمائة مليون بشري، وبالأدمغة التي لا حصر لها، وبالقوات المسلحة التي لا مجال للتشكيك بكفاءتها؟

قد تكون هناك خلفيات ملتبسة في مسألة منع ناقلتي النفط. هذا لا يمنعنا من أن نسأل، للمرة الثالثة، أين هي مصر؟

لا قيامة حتى يوم القيامة. كما الأواني الفارغة، جاهزون لكل الأخبار السيئة. الخبر الذي لا يمكننا تحمله ألا تكون مصر الملكة بين مهراجات العرب.

الدول العظمى لا تحتضر في الفراش. مصر التي نريدها لا تحتضر في الفراش...