دوللي بشعلاني

أعطت قبرص كلمة شرف للبنان بأنّها «لا ولن تُشارك في أي مشروع قد ينتهك حقوق لبنان» في المنطقة الإقتصادية الخالصة، وذلك خلال وجود وزير الخارجية القبرصي نيكوس كريستودوليديس، ووزير الطاقة والصناعة والتجارة يورغوس لاكورتريبس في لبنان. وهذا يعني، بحسب مصادر سياسية مواكبة، بأنّها اعترفت ضمناً بالخطأ الذي ارتكبته خلال تسرّعها وتوقيعها اتفاقية مع العدو الإسرائيلي، بعد أن حدّد لبنان معها شفهياً حدوده البحرية ووقع في خطأ بين النقطة 1 والنقطة 23، ما جعل الرقعة التي تفصل بينهما موضع أطماع إسرائيلية للإستيلاء عليها.

ويُمهّد موقف قبرص هذا الى إمكانية تسهيل التوصّل الى حلّ للنزاع البحري بين لبنان والعدو الإسرائيلي على الرقعة البحرية التي تبلغ مساحتها نحو 860 كيلومتراً مربّعاً، وتلامس البلوكات اللبنانية البحرية 8 و9 و10، سيما وأنّها كانت أول من سارع الى توقيع اتفاقيتها مع إسرائيل قبل أن تحصل من لبنان على الخرائط الفعلية التي تجعل هذه النقطة تدخل ضمن حصّة لبنان في المنطقة البحرية. أمّا خرق السيادة اللبنانية في البحر من قبل قبرص الذي حصل في العام 2013 نتيجة توقيعها الإتفاقية بالأحرف الأولى مع لبنان في العام 2007 حول تعيين حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة بينهما، ثمّ استكمل لبنان في العام 2009 ترسيم حدود هذه المنطقة مع قبرص على أن تمتدّ جنوباً الى النقطة 23 بدلاً من النقطة 1، وشمالاً الى النقطة 7 بدلاً من النقطة 6، فتعهّدت قبرص بعدم القيام بمثله مجدّداً، سيما وأنّ لبنان ليس موافقاً عليه، فيما توجب الإتفاقية موافقة الأطراف الثلاثة.

وتقول المصادر نفسها بأنّ تسرّع «إسرائيل» وحثّ قبرص على توقيع إتفاق ثنائي معها من جهة، وعدم جهوزية لبنان الى استكمال توقيع الإتفاقية مع قبرص من جهة ثانية، جعل «إسرائيل» تستغلّ هذه الثغرة في العام 2010 خلال توقيعها الإتفاقية مع قبرص لناحية ترسيم حدودهما، فاعتمدت النقطة المؤقّتة والتي يُمكن تعديلها لاحقاً وهي 1 بدلاً من ترسيم الحدود مع قبرص اعتباراً من النقطة 23، وبدأت بالترسيم من النقطة 1 الى 12. ثمّ قام العدو الإسرائيلي بترسيم الحدود مع لبنان بخطّ بدأه برأس الناقورة حتى النقطة 1 بدلاً من النقطة 23، وأبلغ الأمم المتحدة بذلك، ما خلق رقعة بحرية أو مثلّث متنازع عليه بمساحة 860 كلم2. هذا الالتباس جعل الولايات المتحدة تُرسل في العام 2012 فريديرك هوف موفداً من قبلها لاقتراح حلّ النزاع البحري بين لبنان وإسرائيل (فلسطين المحتلّة)، فرسم ما سُمي بـ «خط هوف» الذي قضى بتقاسم الرقعة البحرية موضع النزاع، على أن يحصل لبنان منها على 60 % (أي نحو 500 كلم2)، والعدو الإسرائيلي على 40 % (مساحة تبلغ نحو 360 كلم2). على أنّه بإمكان لبنان الإستثمار في حصّته، فيما يمنع على لبنان و«إسرائيل» المسّ بالمساحة المتبقية (أي الـ 40 %) الى حين حلّ النزاع البحري بينهما. وبالطبع رفض لبنان هذا الإقتراح حينها سيما وأنّ الرقعة البحرية المتنازع عليها تقع ضمن ملكيته في المنطقة الإقتصادية الخالصة، وكرّر رفضه مجدّداً الى الجانب الأميركي خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الى بيروت، والتي مهّد لها نائب مساعده لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد، وقد سمع الرجلان موقف لبنان الرافض لاقتراح هوف نفسه.

ولأنّ هذا الخطأ تسبّبت به قبرص أولاً، كما لبنان بطبيعة الحال، فقد تعهّدت للبنان بعدم قيامها بأي خرق للسيادة اللبنانية في المنطقة الإقتصادية الخالصة، على ما أوضحت المصادر، وأنّها ستضغط بالتالي على إسرائيل لكي لا تُقدم على أي خطوة تجعلها تستفيد من خزّانات الغاز المتوقّع وجودها بكثافة في الرقعة البحرية المتنازع عليها. كذلك أبدت قبرص، على ما نقلت المصادر نفسها، جهوزيتها للعب دور فاعل لتسهيل التوصّل الى حلّ للنزاع البحري القائم بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وذلك من خلال مساعٍ وعد وزير الطاقة القبرصي القيام بها. وأوضحت المصادر أنّ الجانبين اللبناني والقبرصي قد توافقا على عدم هدر المزيد من الوقت من أجل جعل الإتفاقات الثنائية المشتركة بينهما واقعاً، ولهذا فإنّ اجتماعاً أوّلياً سيُعقد في 7 أيّار المقبل لمقارنة نقاط التوافق والاختلاف كما سيتمّ توقيع اتفاقية التقاسم حول النفط في ايلول المقبل، يليه عقد القمّة التي ستجمع بين الرؤساء اللبناني والقبرصي واليوناني ويتم خلالها التوقيع على اتفاقات ثلاثية عدّة في حزيران المقبل، ليُصار في أيلول المقبل الى التوافق النهائي على «اتفاقية التقاسم حول موضوع النفط» بين لبنان وقبرص التي وُقّعت بالأحرف الأولى في العام 2013، تليها مباحثات على المستوى الحكومي تتناول مسألة الحدود والخطوط البحرية، والإنشاءات المشتركة لنقل وتصدير النفط والغاز وما الى ذلك...

وتقول المصادر بأنّه من الضروري أن يُسرع لبنان في توقيع الإتفاقات مع قبرص، وأن توافق الحكومة عليها في أسرع وقت ممكن، سيما وأنّ لبنان قد أطلق الدورة الثانية للتراخيص، بعد أن لزّم «اتحاد الشركات» المؤلّف من «توتال» الفرنسية، و«إيني» الإيطالية، و«نوفاتيك» الروسية التنقيب عن الغاز في البلوكين 4 و9 في الدورة الأولى.علماً أن قبرص سبقتنا بأشواط إذ قامت بالدورة الثالثة وأنجزت تلزيمات عدّة، وأصبحت الآن في مرحلة إطلاق إستكشافات جديدة، وسيتمّ في العام المقبل (2020) إطلاق حفر بئر إستكشافية من جهة قبرص على الحدود اللبنانية، ما يدفع بلبنان الى الإسراع في توقيع الإتفاقية الثنائية النهائية مع قبرص.

ونقل الوزراء القبارصة الى نظرائهم اللبنانيين بأنّ بلادهم حريصة جدّاً على الإستقرار والهدوء والأمن في لبنان لا سيما في المنطقة الجنوبية، سيما وأنّ هذا الأمر يُشجّع الشركات العالمية الى بدء عملها في المنطقة التابعة للبنان، كما في استكمال أعمالها في المنطقة البحرية التابعة لقبرص. ولهذا وعدوا بأن يطلبوا من العدو الإسرائيلي أيضاً ضرورة الإلتزام بالقرار 1701، وعدم تعريض المنطقة الجنوبية الى أي توتّر أمني لأنّ ذلك سينعكس حتماً على الشرق الأوسط ككلّ. وذكرت المصادر أنّ الشركات التي لزّمها لبنان عمليات التنقيب عن الغاز واستخراجه متحمّسة جدّاً لبدء عملها في أواخر العام الحالي سيما وأنّها تتوقّع الحصول على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي في البلوك 9. كما أنّها ستكون مهتمة بالإستثمار في المنطقة الإقتصادية الخالصة للتنقيب عن المواد الهيدروكربونية التي تعبر الخط الوسطي في المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان وقبرص، مع الحفاظ على الحقوق السيادية لكلّ من البلدين في استكشاف واستغلال الثروات الطبيعية في المنطقة البحرية التابعة لكلّ منهما، وذلك وفقاً لما ينصّ عليه القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار. على أن يبدأ العمل بين لبنان وقبرص من خلال توقيع إتفاق لإيجاد أسواق لبيع الغاز المستخرج منهما، ثمّ وضع مشروع لمدّ خط أنانيب للغاز بينهما، سيما وأنّ التنافس على بيع الغاز والنفط يأخذ اليوم منحى تنافسياً في ظلّ البدء المبكر للجانب الإسرائيلي بعمله النفطي والغازي.