محمود زيات

سُمِح لحشود من السوريين الذين تجمعوا حول ساحة المرجة في وسط دمشق، ان يتابعوا وقائع عملية اعدام الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين، الذي انهار لحظة مشاهدته حبل المشنقة الذي سيلف على رقبة جاسوس تموه باسم رجل الاعمال السوري كامل امين ثابت، ليُنقل بعد ذلك الى مكان مجهول لدفنه، وتتحول قضيته الى لغز من الالغاز التي يتوارثها قادة الكيان الصهيوني الذين عجزوا عن فك شيفرته، بالرغم من مرور اربع وخمسين سنة على اعدامه، استعانوا خلالها بـ«أصدقاء» دوليين واقليميين وجندوا عشرات الشبكات التجسسية منها في لبنان، لتقفي اثر ممن فًقِدوا من جنود الاحتلال، احياء واموات.

عند الجمهور الصهيوني، يمكن لاستعادة قتيل اسرائيلي سقط خلال الغزو على لبنان، قبل سبعة وعشرين عاما، ان تُدغدغ المشاعر واستحضارها كـ«أنجاز» في انتخابات الكنيست الصهيوني (البرلمان)، كما حصل مع الرواية الاسرائيلية التي تحدثت عن «استعادة»! ساعة يد الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين (1924 ـ 1965)، الذي جعلته اجهزة الاستخبارات الصهيونية الاكثر شهرة في عالم الجاسوسية الصهيونية المتغلغلة في العالم، ليتبين لاحقا ان جهاز «الموساد» اشتراها في مزاد علني عبر الانترنت!.

من هنا كان الحماس المنقطع النظير الذي ابداه رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الذي خاض الانتخابات، بعد ايام قليلة على «الانتصار الباهر» الذي حققه باستعادة رفات جندي صهيوني قتل مع جنديين اسرائيليين آخرين، في مواجهة مع المقاومين اللبنانيين والفلسطينيين وجنود الجيش العربي السوري، في صفقة عقدها مع القيادة الروسية التي تعاملت مع ملف رفات الجندي الاسرائيلي قبل ايام، من باب المونة على القيادة السورية، بالاستناد الى الدعم اللا محدود الذي قدمه الكرملين الروسي الذي استدعى على عجل ترسانة عسكرية من الوزن الثقيل الى سوريا لرد الاستهدافات الاقليمية والدولية المتسترة بالجماعات الارهابية وبثوبها «الاسلامي».

وبرأي اوساط مطلعة، فان عملية اخراج رفات الجندي الاسرائيلي من سوريا، وتسليمه رسميا الى العدو الاسرائيلي، فتح الشهية الاسرائيلية للحصول على المزيد من المكاسب، ومن دون اي كلفة، وبالتالي، فان الحاجة الاسرائيلية في فكفكة الملفات الامنية الخاصة به، والتي ان جرى تفكيك اصعبها واعقدها، وتلفت الى ان قادة الكيان الاسرائيلي بكافة اشكاله وتلاوينه اليمينية المتطرفة، تعوَّدوا ان يدفعوا اثمانا باهظة في صفقات التبادل التي جرت على مدى العقود الثلاثة الماضية، وبخاصة صفقات التبادل التي جرت مع «حزب الله» حيث كانت الكلفة عالية جدا، وفي معظمها كان «حزب الله» ينجح في كسر بوابات السجون الاسرائيلية لتشرَّع على مصراعيها، ليخرج المئات من المعتقلين والاسرى اللبنانيين والفلسطينيين، مقابل جثتي ..احياء وشهداء، في مقابل بقايا رفات لجنود قتلوا في لبنان، كما حصل في صفقة التبادل التي حملت اسم «عملية الرضوان» في السادس عشر من شهر تموز عام 2008، بتسليم جثتي الجنديين الإسرائيليين الأسيرين مارك ريغيف وايهود غولدفاسر.

الشهية الاسرائيلية التي فتحتها عملية تسليم احد قتلى غزو لبنان، تلفت الاوساط، لن يَحِدَّ منها «الكرم» الروسي المتمثل بتسليم جندي من ثلاثة جنود اسرائيليين قتلوا في لبنان في العام 1982 وفقد اثرهم، ووفق التقارير الغربية التي تناولت هذا الملف، فان قادة الاحتلال طرقوا الباب الروسي في العام 2016، لما يشكل من وزن سياسي وعسكري وامني داخل سوريا، لـ «المساعدة» في استعادة رفات الجاسوس ايلي كوهين، الذي صُنِّف على انه الملف الاكثر غموضا وتعقيدا وحساسية لدى كيان العدو، والمحاط بالغموض والسرية المطلقة من قبل السلطات السورية، في مقابل عجز استخباري صهيوني في الوصول الى خيط، ولو رفيع، عن المكان الذي دُفِن فيه اشهر جاسوس في عالم الجاسوسية الصهيونية داخل سوريا، وما يعزز هذه الفرضية، ان تقارير اسرائيلية وغربية تحدثت عن تكليف فرقة امنية صهيونية بمهمة البحث عن المكان الذي يمكن ان يكون كوهين قد دُفِن فيه، ولفتت التقارير انه ومع اندلاع الحرب في سوريا، تعززت الاتصالات بين كيان العدو من جهة وجهات عربية واقليمية، للمساهمة في مهمة البحث الشاقة عن كوهين، مستفيدين من الظروف الامنية والعسكرية التي تمكنت خلالها التنظيمات الارهابية من السيطرة في السنوات الاولى من الحرب على مناطق واسعة من الجغرافية السورية، ووصل الجماعات الارهابية الى نقاط حدودية مع الجولان السوري المحتل، وحدود دول اخرى.

} التنظيمات الارهابية

وعدت بالبحث عن الرفات }

...و«الموساد» حدَّد ساعة الصفر لوصولها الى تل ابيب ووصلت المبالغة في التقديرات التي بنى عليها الكيان الاسرائيلي رهانهم باسترجاع كوهين، بعد اكثر من نصف قرن على اعدامه في ساحة المرجة في وسط العاصمة السورية دمشق في 18 ايار العام 1965 اثر كشفه، الى حد انتظار ساعة الصفر لوصول رفات الجاسوس الاسرائيلي في تل ابيب، بعد فبركة عملية امنية نوعية قامت بها فرقة كومندوس اسرائيلية خاصة لاسترجاع ساعة اليد الخاصة بالجاسوس، وقد اعلنت القناة العبرية الثانية قبل اشهر، ان المعارضة السورية ستسلم تل ابيب جثة كوهين، الا ان شيئا لم يحصل، في دلالة على ان الفرق الخاصة التي تم تجنيدها في اوساط التنظيمات الارهابية التي يصفها قادة الاحتلال الاسرائيلي بـ«المعارضة السورية»!، لم تصل الى نتائج في المهمة الاستثنائية التي كُلِّفَت القيام بها، لكن الاسرائيليين لم يقطعوا الامل، مع العملية المدبرة التي جرت بخصوص استعادة رفات احد جنود الاحتلال الذين قتلوا في مواجهة السلطان يعقوب ـ بيادر العدس في البقاع، والذي اكدت التقارير ان روسيا لعبت دورا رئيسا في عملية الاستعادة، فثمة من يرى ان روسيا، وبتسليمها رفات احد الجنود الاسرائيليين، ارادت ان تقدم «جائزة ترضية» للكيان الاسرائيلي، تعويضا عن رفات الجاسوس ايلي كوهين المدفونة تحت كومة من السرية التامة منذ اكثر من نصف قرن.

} خيوط اسرائيلية نحو «الاصدقاء» وشبكات تجسس لتقفي اثر الرفات }

بقي الغموض التام يكتنف مكان وجود رفات الجاسوس الاسرائيلي ايلي كوهين، الذي دُفِن سرا في مكان ما من دمشق، كما جاء في بلاغ رسمي سوري اُذيع بعد ساعات قليلة من عملية الاعدام، ولم تستطع اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية التي استعانت بجهات امنية واستخبارية اميركية واوروبية، للمساعدة في كشف اللغز الذي اعتبره الاحتلال من اعقد الالغاز الامنية المتعلقة بعالم التجسس الاسرائيلي، انسجاما مع المزاعم الصهيونية التي تحدثت عن اهمية الجاسوس الذي تغلغل داخل المجتمع السوري على مدى ثلاث سنوات، زعمت الدعاية الصهيونية انه وصل الى مستوى مرموق داخل سوريا، تحت ستار شخصية رجل اعمال سوري يعيش في الارجنتين يحمل اسم كامل امين ثابت، وانه تمكن في انه نجح في لعب دور حاسم في حرب حزيران العام 1967، وفق ما قال رئيس حكومة العدو السابق ليفي اشكول، لكن الجهات السورية قللت من اهمية الجاسوس، واعتبرت المعلومات التي حصلت عليها تافهة جدا وغير مؤثرة على اي مسار لاي معركة عسكرية.

كوهين الزوجة التي التزمت الصمت طوال السنوات الماضية، اشارت الى ان الجهات التي وعدت بالبحث عن مكان قبر زوجها، وفق ما كشفت صحيفة «يديعوت احرونوت» الصهيونية في حينه، لم تجده، كما لم تجد اية اشارة ترشد الى مكان الدفن، وانها تبلغت في العام 2004 من رئيس جهاز «الموساد» الاسرائيلي حينها مائير داغان، ان الوسيط الالماني المكلف الاشراف على محادثات صفقة الاسرى مع «حزب الله»، وعد باثارة هذه المسألة في المرحلة الثانية من اتفاق التبادل، لكن الابواب بقيت موصدة، انطلاقا من اعلان القيادة السورية ان ملف كوهين سيبقى خارج التفاوض، فيما اجرى جهاز «الموساد» محادثات مع مسؤولين اتراك للقيام بوساطة مع السوريين لاعادة رفات جاسوسها، قبل تدهور العلاقات بين تركيا وسوريا، على خلفية التورط التركي المباشر في الحرب ضد سوريا، لكن دمشق لم تصغِ الى الطلب التركي، وقد تبلغ الاتراك ان سوريا تتعامل مع رفات الجاسوس الاسرائيلي بخصوصية فائقة الاستثنائية، من دون الاشارة الى الثمن المطلوب دفعه مقابل الرفات.

} السوريون استعانوا باجهزة رصد سوفياتية لكشف الجاسوس كوهين }

مع تعدد الروايات التي تناقلت وقائع كشف الجاسوس كوهين بالجرم المشهود، بعد ارسال اشارات ارسال لاسلكية في مواقيت محددة وبصورة دورية، بقيت الرواية الاكثر صدقية والتي اكدها مسؤولون سوريون في حينه، هي تلك التي اعطت الفضل الى اجهزة رصد متطورة تابعة للاتحاد السوفياتي استقدمها ضابط خبير بأجهزة الاتصالات اللاسلكية المشفرة الى الحي الذي صدر منه اشارات الارسال، فدلَّت الى المبنى الذي يقطنه الجاسوس، ولجأت حينها الاجهزة الامنية السورية الى قطع الكهرباء عن شقق المبنى بالتوالي، بالتزامن مع عملية الارسال التي كانت تجري من المبنى، لينقطع الارسال عن الشقة في اللحظة التي انقطع عنها التيار الكهربائي، فتم تحديد شقة الجاسوس، والقي عليه بالجرم المشهود.

بقي ملف رفات الجاسوس ايلي كوهين، يشكل ضربة قاصمة لجهاز «الموساد» الاسرائيلي، ليس بسبب كشفه بالجرم المشهود اثناء قيامه بارسال برقيات مشفرة عبر جهاز لاسلكي من قلب دمشق، بل بعجزها عن استعادة رفاته، على الرغم من الحملات الامنية والمساعدات اللوجستية التي قدمها ما كان يسمى بـ«جيش لبنان الحر» والتنظيمات الارهابية في الداخل السوري، وبقي الاسرائيليون حالمين بـ«تحرير» رفاته من داخل قبره السري في مكان ما من دمشق.

} زعموا انهم استرجعوا ساعة

يده في «عملية امنية خاصة» }

وفي اطار النفخ المخابراتي بشخصية الجاسوس ايلي كوهين، نشطت الاستخبارات الصهيونية في بث دعايات لبناء بروباغاندا احاطت بها جاسوسها «المدلل»، فاعلن الموساد الإسرائيلي انه نفذ «عملية خاصة» للحصول على ساعة اليد التي ارتداها الجاسوس الاسرائيلي، وقد وصف رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو العملية التي اعادت تذكارا من «مقاتل عظيم» بـ«الشُجاعة»!، وقد قُدمت الساعة الى ارملته في مراسم خاصة ارادتها حكومة العدو وقفة «انسانية»، لكسب التعاطف مع حكومته، و«تبين أن العملية التي نفذها جهاز الموساد، والخاصة باستعادة «ساعة اليد» الخاصة بإيلي كوهين، الجاسوس الإسرائيلي السابق بسوريا، لم تكن سوى عملية شراء عادية في مزاد على الإنترنت»، هذا ما اعلنته اذاعة العدو، وفي وقت لاحق قالت زوجة الجاسوس الاسرائيلي «ان ساعة يد زوجها تم شراؤها من مزاد علني، وأن جهاز «الموساد» الاسرائيلي أخبرنا قبل عدة أشهر انه حصل عليها، دون معرفة المكان أو الزمان، والآن تبين أنها من «مزاد علني»، لكنها عادت وغيرت اقوالها، بعد ان تعرضت لضغوطات من اجهزة املخابرات الصهيونية».