نبيه البرجي

هيرودوت رأى، منذ 2500 عام، أن منطقتنا تقع على خط الزلازل. أرنولد توينبي لاحظ أن المؤرخ يمتلك، أحياناً، عيون الأنبياء. هل كان المؤرخ الاغريقي يعلم بظهور الديانات، والايديولوجيات، في المنطقة، لذا قال ما قاله ؟

من سنوات، اعتبر برنار ـ هنري ليفي، دون أن يرى في المجتمعات العربية أكثر من معسكرات للعبيد، أن ثمة نوعين من الزمن في الشرق الأوسط. نوع يتجه، بخطى حثيثة، الى ما قبل البداوة، ونوع يتجه، بخطى حثيثة، الى ما بعد الحداثة.

آنذاك، دعا الى تفجير تلك المجتمعات (وهذه هي دعوته الآن) كي «لا ينقضّ البرابرة على اسرائيل».

الغريب أنه، في السنوات الأخيرة، تبنى فكرة المصالحة بين «الحثالة»، من أبناء اسماعيل، و»النخبة» من أبناء اسحق. الغاية تفكيك أي حالة عربية تشكل تهديداً للدولة العبرية.

لطالما لجأنا الى عبارة هنري كيسنجر «أزمة الشرق الأوسط ولدت مع الله وتموت مع الله». حالياً، وقد تاهت الأزمة الكبرى في الدهاليز الديبلوماسية، أزمات تلو الأزمات. المنطقة من خط الزلازل الى خط الأزمات. غالباً الأزمات المستحيلة. تلك الغربان التي ستبقى على أكتافنا الى الأبد.

هكذا يلاحظ البنك الدولي أن تكلفة الأزمات التي عصفت بالمنطقة العربية، على أمتداد السنوات التسع المنصرمة، ناهزت الـ 900 مليار دولار. مع العام الحالي تريليون دولار لم تنفق للصناعة التكنولوجية، وحتى للصناعة السوسيولوجية (من قال أن السوسيولوجيا ليست صناعة ؟)، وانما لتسويق الخراب.

بالطريقة هذه فهمنا دعوة الأديان. المرابطة على تخوم الغيب. الأحرى... على تخوم العدم!

مؤشرات كثيرة على أن كرة النار لن تتوقف هنا. لاحظوا اللعب في الزوايا السورية. ثمة من لا يزال يراهن على اعادة هندسة الخرائط. كل هذا انطلاقاً من معادلة شمعون بيريس «المال العربي والدماغ اليهودي». من يقود الآخر في هذه الحال؟!

الاسرائيلي المتطرف موشيه هالبرتال، استاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، وقد بقي طويلاً يسقط نظرية توماس هوبز «الانسان ذئب الانسان» على العرب، يرى الآن أن العرب هم ضحايا العرب، ليضيف أنهم أيضاً «ضحايا الهيستيريا الجيوسياسية لدى الايرانيين والأتراك». الجيوبوليتيكا تمتطي ظهر الايديولوجيا، كما ظهر التاريخ.

لا كلام البتة عن الجنون الأمبراطوري لدى الولايات المتحدة، وعن دورها في ابقاء المنطقة اما رهينة الأقبية أو رهينة الثلاجة. أوبير فيدرين رأى أن الأميركيين يستخدمون الايرانيين والأتراك لترويع المنطقة. هكذا يزدهر سوق السلاح، وهكذا ترتحل الثروات، والأرصدة، العربية الى الخزانة (أوالى الخزينة) الأميركية.

أي دلالات خطيرة للموقف الأخير لبنيامين نتنياهو حول «اجراءات» اسرائيلية لمنع ايران من تهريب النفط، أي من محاولات التفلت من العقوبات الأميركية، ولو تسللاً؟

وحده من خارج أميركا الذي تفوه بذلك. كلام لا يمكن أن يصدر الا في اطار خطة عملانية، وبالتنسيق مع البيت الأبيض وبلدان عربية يمتلك الروس الكثير من المعلومات حول استضافتها غواصات «دلفين»، من صنع ألماني، وقد تم تجهيزها لتحمل رؤوساً نووية.

المعلومات الروسية تشير الى اتجاه سابق لمرابطة طائرات اسرائيلية محملة بالقنابل النووية في قواعد جوية عربية، فضلاً عن قواعد في أذربيجان، وقد صرف النظر عن ذلك بعدما أظهرت تقارير استخباراتية أن الايرانيين باتوا يمتلكون شبكات رادارية متطورة جداً، اضافة الى منظومات للصواريخ تهدد الطائرات المعادية حتى قبل أن تدخل الى أجوائهم.

تصريح بنيامين نتنياهو تزامن مع تصريح لمايك بومبيو حول الهبوط بالصادرات النفطية الايرانية الى درجة الصفر. أوحى بأن العملية تجري في اطار لعبة السوق، أي بتكثيف الفائض المتعدد المصادر. ربما أيضاً بالخفض الدراماتيكي للأسعار. رئيس الحكومة الاسرائيلية لوّح بالاجراءات العسكرية.

بعيداً عن التراشق الفولكلوري بين رجب طيب اردوغان وبنيامين نتنياهو، يتفادى هذا الأخير الاشارة الى الدور الروسي في تدمير الشبكات العملانية واللوجيستية التابعة للفصائل المسلحة على الأرض السورية عشية الاستعداد النهائي للانقضاض على دمشق، بمؤازرة طائرات اسرائيلية وعربية تتولى تدمير المنشآت الحساسة للنظام.

قبل أن ينقلب بني موريس على نفسه، وكان في مجموعة المؤرخين الجدد، قال ان «حزب الله» قلب الرؤية (والرؤيا) الاسرائيلية رأساً على عقب. منذ أيام دافيد بن غوريون وموشيه شاريت، كان ينظر الى لبنان على أنه الحلقة الأضعف في منظومة «دول الطوق». تالياً، البوابة التي يمكن عبرها الولوج الى الداخل العربي. هذا قبل اتفاقية كمب ديفيد واتفاق وادي عربة.

بعد الاتفاقية والاتفاق، بدت سوريا المشكلة الكبرى. تحطيم سوريا في لبنان ومن لبنان. منظمة التحرير الفلسطينية وقد حوّلت الثورة الى «كوميديا عسكرية»، أعطت الثنائي مناحيم بيغن ـ آرييل شارون الذريعة للدخول الى لبنان، وصولاً الى بيروت.

بني موريس اعتبر أن صدمة اسرائيل الكبرى كانت بـ«حزب الله» الذي حوّل الحلقة الأضعف الى... الحلقة الأقوى.

حين يتكلم نتنياهو عن ايران، تكون عينه على «حزب الله». ما أدلى به أخيراً أثار هواجس عاصفة. الايرانيون هددوا بالرد. كلام لا يمكن أن يكون عابراً. ثمة شيء وراء الضوء. هل يتورط نتنياهو، بالتنسيق «الشخصي» مع دونالد ترامب، في عملية ضد ناقلة تحمل النفط الايراني؟

في هذه الحالة، يتدخل الأميركيون، ويتدخل السعوديون أيضاً. لعلها أيام الزلزال في الشرق الأوسط...