دوللي بشعلاني

لا تزال المسائل المتعلّقة بحقّ منح المرأة الجنسية اللبنانية لأولادها وعدم التمييز بينها وبين الرجل في كلّ القوانين وتصحيح وضع مكتومي القيد وحملة جنسية قيد الدرس، تقتصر على مهام وجهود بعض الناشطين السياسيين والحقوقيين والجمعيات المدنية المطالبة بحقوق المرأة والطفل، فيما آذان المسؤولين والسياسيين اللبنانيين ترفض أن تسمع نداءات وصرخات الأمهات اللبنانيات التي تحلم بأن تمنحها الدولة حقوقها وحقوق أولادها كاملة.

حملة «جنسيّتي- كرامتي» المنبثقة من جمعية «المبادرة الفردية لحقوق الإنسان»، تُنظّم الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر الأحد المقبل في 17 آذار الجاري، تزامناً مع عيد الأمّ، مسيرة مطلبية بعنوان «وعدتوا وبدنا التنفيذ» من أمام مبنى وزارة الداخلية الى ساحة رياض الصلح. تهدف هذه المسيرة الى تذكير السياسيين، الذين وقفوا الى جانب المرأة اللبنانية، وأعلنوا أنّهم ضدّ التمييز ومع منحها حقّها بإعطاء جنسيتها لأولادها، بوعودهم لكي لا تبقى حبراً على ورق. ويتوقّع أن تضمّ نحو 5 آلاف مشارك ومشاركة فيها، على غرار التظاهرات السابقة.

هي صرخة متجدّدة إذاً، من الأمهات اللبنانيات المتزوّجات من غير لبنانيين بغض النظر عن جنسيّاتهم، للمطالبة بتنفيذ الوعود، وللقول بأنّه من حقّ الأم اللبنانية أن تُعطي جنسيتها لأولادها، كما من حقّ مكتومي القيد وقيد الدرس تصحيح أوضاعهم، على أنّ هذا الحقّ كفله الدستور اللبناني في مقدّمته، وشرعة حقوق الإنسان، كما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي وقّع عليه لبنان والذي يمنع التمييز بين المواطنين بحسب اللون والبشرة والطائفة والمكانة الإجتماعية وما الى ذلك... ويقول رئيس حملة «جنسيتي- كرامتي» مصطفى الشعّار بأنّه «كفانا تهميش للمرأة اللبنانية ولحقوقها في هذا البلد، في الوقت الذي يحصل فيه الرجل عليها كاملة ويعطيها بالتالي لأي إمرأة غير لبنانية يتزوجها. فالرجل اللبناني عندما يتزوّج فلسطينية أو سورية أو مصرية أو أميركية أو فرنسية، يمنحها الجنسية اللبنانية، وبعد وفاته يُمكن لهذه الأخيرة أن تمنح الجنسية اللبنانية لأولادها، أكانوا منه أو من زواج آخر شرط أن يكونوا قاصرين (أي تحت سنّ الـ 18)، فيما لا يزال القانون اللبناني يمنع على الأم اللبنانية الأصيلة أن تُعطي أولادها جنسيتها. وهذا الأمر يُفقدهم حقّهم ليس فقط في الجنسية اللبنانية إنّما أيضاً في المواطنة التي هي أهمّ من الجنسية بحدّ ذاتها.

ووسط عدم موافقة السياسيين على تعديل القانون بما يُساوي ليس فقط بين الرجل والمرأة، إنّما بين الأب والأم لجهة منحها الجنسية لأولادها، أطلّ في آذار من العام الماضي وبمناسبة عيد الأمّ، مشروع قانون حمله وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل للأمهات، قضى باستثناء الأمهات اللبنانيات المتزوّجات من فلسطينيين وسوريين من حقّ منح الجنسية لأولادهم، فجرى رفض هذا المشروع من قبل أنصار حملة «جنسيتي- كرامتي» وجمعيات أخرى سيما وأنّهم وجدوا فيه نوعاً من العنصرية والتمييز والتعصّب. فيما الهدف من هذه المطالبة هو حصول الأم اللبنانية على هذا الحقّ من دون أي إستثناءات.

وإذا كان الهاجس الأكبر لاستثناء المتزوّجات من فلسطينيين وسوريين من مشروع القانون هذا، فإنّ الشعار أوضح بأنّ «عبارة التوطين هي فزّاعة يعتمدها السياسيون في لبنان، لأنّ ليس من شيء يُدعى «توطين». فاللبنانيات المتزوّجات من فلسطينيين يقدّر عددهنّ بـ 4 أو 5 في المئة فقط من أصل نحو 10 آلاف لبنانية متزوّجة من غير لبناني. والمشكلة الأكبر أنّ أولاد هذه الأمهات يقيمون على الأراضي اللبنانية وممنوعين من العمل، فيما ثمّة 50 ألف رجل لبناني متزوّجين من فلسطينيات مجنّسات يتمتّع أولادهنّ بجميع الحقوق التي يكفلها الدستور اللبناني. كذلك فإنّ وزير الصحة الدكتور جميل جبق، على سبيل المثال، أعطى إذناً بمزاولة مهنة التمريض للفلسطينيين، فيما أولاد الأمهات اللبنانيات لا يتمتّعن بهذا الحقّ، علماً أنّ ثمّة حاجة بنسبة 50 % في لبنان للممرضين والممرضات. كما أنّ أي ولد أجنبي من أمّ لبنانية يدفع بدل الضمان الإجتماعي إلاّ أنّه لا يستفيد منه، ولا تتمّ بالتالي معالجته من الأمراض المعدية والسارية. حتى أنّ الأمّ اللبنانية إذا ما كانت موظّفة في الدولة، لا يحقّ لأولادها الأجانب صرف تعويضها بعد وفاتها، لهذا غالباً ما تعمد الى سحبه عند استفائه».

وفيما يتعلّق بالأرقام ولأي طائفة تميل الكفّة لطمأنة المتخوّفين من «توطين مبطّن للاجئين الفلسطينيين من الطائفة السنيّة على حساب الطوائف الأخرى»، أشار الى أنّ الإحصاءات الدقيقة غير موجودة في لبنان. إلاّ أنّه وفق الملفات التي تُقدّم للحملة لتكون جاهزة في حال جرى تعديل القانون، ويبلغ عددها نحو 5 آلاف ملف حتى الآن، يحتاج بعضها الى استكمال الأوراق والمستندات، أو الى استشارات قانونية لنصبح كاملة، فإنّ هناك نحو 35% من الملفات تخصّ الطائفة الشيعية، و35 % الطائفة السنيّة، و30 في المئة المسيحية. كما أنّ الأعداد الأكبر هي للبنانيات المتزوّجات من جنسيات دول الجوار أي الفلسطينية والسورية والمصرية والعراقية والأردنية والإيرانية ومن جميع الطوائف.

وأوضح بأنّ «معركة الأعداد هي معركة خاسرة في لبنان منذ زمن، لهذا فإنّ معركتنا أخلاقية حقوقية ودستورية، لأنّنا نُطبّق المادة 7 من الدستور اللبناني التي تنصّ على أنّ «كلّ اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتّعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامّة دونما فرق بينهم».

أمّا حملة «جنسيتي- كرامتي» فهي ضدّ الطائفية، على ما عقّب الشعّار، وهمّها الأول أن يكون المرء لبنانياً أولاً قبل أن يكون مسيحياً أو مسلماً وغير ذلك. ولهذا تفرض الحملة ضوابط وشروط قاسية لكلّ من يريد ملء استمارة الحصول مستقبلاً على الجنسية اللبنانية التي يستحقّها في حال جرى تعديل القانون، وتتضمّن الشروط:

1- أن يكون الفرد مولوداً على الأراضي اللبنانية من أمّ لبنانية أو مكتوم القيد أو قيد الدرس، وأقام عليها مدّة 5 سنوات. وفي حال كان غير مولود عليها، يجب أن يكون مقيماً عليها منذ 7 سنوات.

2- أن يتعهّد باحترام الدستور والقوانين اللبنانية.

3- أن يتمتّع بسجل عدلي نظيف أي لم يرتكب أي جرم.

4- أن لا يكون مكتوم القيد ضمن الجنسية الأجنبية.

5- أن يكون لديه مكان إقامة دائمة في لبنان.

6- أن يتكلّم اللغة العربية وأن يكون ملمّاً بتاريخ لبنان.

على أن يتمّ سحب الجنسية منه إذا قدّم أي معلومة أو ورقة خاطئة.

وقال الشعار: «في الإجتماع الأخير مع رئيس الحكومة سعد الحريري عرضنا عليه إقامة طاولة جديّة للحوار، سيما وأنّ هناك نحو 100 ألف من مكتومي القيد وقيد الدرس (من عرب المسلخ وعرب الفاعور ولويس) الذين لم يُدرجوا ضمن إحصاء العام 1923 رغم أنّهم لبنانيون، وهؤلاء يجب تسوية أوضاعهم، بغضّ النظر عن طائفتهم. فضلاً عن إعطاء الأولاد من الأمهات اللبنانيات المتزوّجات من غير لبنانيين، الجنسية اللبنانية، وهؤلاء لا يتجاوز عددهم الـ 200 ولد لكي يتمكّنوا من الإنخراط في المجتمع اللبناني الذين يعيشون فيه، ويتقنون لغته من دون أن يتمتّعوا بحقوقه نفسها.

وألمح الى أنّ أكثر ما يُخيف هو منح بعض رؤوس الأموال من غير اللبنانيين، الجنسية اللبنانية، على ما جرى أخيراً بمرسوم التجنيس، ما يجعل لهؤلاء الحقّ في الترشّح على الإنتخابات النيابية والمشاركة في الحياة السياسية اللبنانية وبمواقع القرار، فيما إذا جرى منح الحقّ لأولاد الأمهات المتزوّجات من غير لبنانيين، ممارسة مهنة التمريض أو الصيدلة أو سواهما، يخرب البلد.