نبيه البرجي

لا تتصوروا أن في كل عراقي شيئاً من الحجاج بن يوسف, أو شيئاً من هولاكو. تعلمون الكثير عن المواويل الجريحة، وعن بدر شاكر السياب الذي كان يرى في المطر دموع الله تنهمر في عظامه. لا ننسى ناظم الغزالي، ومائدة نزهت، وصولاً الى كاظم الساهر...

لا تتصوروا أن في كل كردي شيئاً من جبال الشمال، أو شيئاً من ابن تيمية (وهو كردي من حرّان). أحمد شوقي كان كردياً، وقد عشق ليلى العامرية أكثر مما عشقها قيس بن الملوّح. بلند الحيدري كان كردياً، ومعروف الرصافي، ثم اينور دوغان التي قيل ان الشجن الذي في صوتها كان يكسر زجاج القمر...

لكننا لا نتصور أنكم رأيتم سياسياً عراقياً كردياً، يمكن أن يكون رومانسياً الى هذا الحد. برهم صالح مهندس، وليس شاعراً. بالرغم من ذلك رأى أن بلده «محظوظ» لأنه يتاخم ايران، وتركيا، والسعودية.

محظوظ، يا فخامة الرئيس، أم مصاب، ويكاد يكون محطماً، بسبب الصراعات بين الدول الثلاث ؟ بلاد الرافدين التي كان يمكن أن تكون نقطة التوازن في المعمارية الاستراتيجية للمنطقة، ضائعة بين المنحى الأمبراطوري والمنحى القبلي لهذه الدول.

لكل من تلك الدول اسلامها الخاص. لكل منها تاريخها الخاص. هيستيريا جيوسياسية جعلت الشرق الأوسط مسرحاً لفوضى دموية، وعبثية، قد تمتد الى يوم القيامة.

كان ينقص العراق أن يكون متاخماً لاسرائيل لكي تكتمل حلقة النار. رؤساء وزراء اسرائيل لطالما توجسوا من ذلك النبوخذنصر الآخر الذي قد يظهر في بغداد.

في ذروة الحرب العراقية ـ الايرانية، أمر مناحيم بيغن قاذفاته في 7 حزيران 1981 بتدمير مفاعل أوزيراك قرب بغداد، وحيث تمكّن العلماء العراقيون وحدهم، ودون مؤازرة أحد، من تخصيب اليورانيوم بالتقنية الكهرومغناطيسية.

ايران العدو الأكبر لأميركا. السعودية تتماهى «عضوياً» مع السياسات، والاستراتيجيات، الأميركية. تركيا نصفها في واشنطن ونصفها الآخر في موسكو. لا تنسوا النصف الثالث في المجهول. بحسب معلوماتنا، رقصة هز البطن ظهرت في الأناضول، وداخل الحرملك.

كيف يمكن للعراق، والحال هذه، أن يكون محظوظاً ؟ العراقيون يعلمون أن تنظيم الدولة الاسلامية، الآتي من قاع الايديولوجيا، لا يمكن أن يجتاح تلك الأراضي العراقية والسورية التي تضاهي مساحتها مساحة بريطانيا، وفي مدة قياسية، دون المؤازرة المالية، واللوجيستية، وحتى العملانية، من الجوار.

كنا قد ذكرنا ما قاله امبراطور الصين للرحالة القرشي، غداة ثورة الزنج » الملوك خمسة، أوسعهم ملكاً ملك العراق لأنه في وسط الدنيا».

منطقياً، الكل ضد أن يتعافى العراق، وتعود المنطقة الى التوازن. هذه دولة تمتلك كل الامكانات لتكون حجر الزاوية في الشرق الأوسط. لا دولة حتى بالمعايير الكلاسيكية للدولة (لاحظنا الصراع حول حقيبتي الدفاع والداخلية). لا دور، لا بل أن العراق مسرح لصراعات الدول الثلاث.

احتلال «داعش» للموصل عكس مدى هشاشة المؤسسة السياسية، ومدى هشاشة المؤسسة العسكرية. لو شاء أبو بكر البغدادي لاجتاح بغداد. ثمة من أمره، ربما لأسباب تكتيكية، بالتوقف هناك.

هاجس «داعش» ما زال يلاحق الساسة العراقيين. مشهد زوجات المقاتلين شرق الفرات كان مروعاً. بالنقاب الأسود هن حوريات الأرض. بالرغم من حالة الضنك في العراء، اصرار على الانتماء الى التنظيم. لا مشكلة ان قضى أزواجهن لأن حوريات الجنة بانتظارهم.

حالة سريالية بما تعنيه الكلمة سؤال الى أهل الفقه، والى اهل السيكولوجيا، علّ لديهم الاجابة على تلك الظاهرة العجيبة لدى الداعشيات اللواتي لم يوضح احد ما ينتظرهن في العالم الأخر.

برهم صالح دعا، اثناء مؤتمر صحافي مع حسن روحاني, الى منظومة أمنية اقليمية مشتركة للتصدي لعودة الارهاب. فقط لهذه الغاية أم لوقف الصراعات بكل أبعادها التراجيدية، والسيزيفية، والانتقال الى التعاون الخلاق الذي دفع ببلدان شرق آسيا الى مرتبة النمور؟

كم كان الرئيس العراقي حالماً ! زيارة روحاني قد تأتي بالكثير من العواصف، وبالكثير من الاحتمالات. زميل عراقي رأى رئيس الجمهورية في تلك اللحظة «كاظم الساهر يغني احدى قصائد نزار قباني».

العراق اليوم أرض للجميع. حتى في زمن صدام حسين كان الجيش التركي يدخل ويقيم في مناطق الشمال بحجة ملاحقة مقاتلي عبدالله أوج آلان.

صالح كان في منتهى العقلانية لا في منتهى الرومانسية.

أي مستقبل للدول الثلاث، بل وللمنطقة، اذا ما استمرت أوديسه الدم، وأوديسه النار، على حالها؟ أوليفييه لوروا تحدث عن «بانوراما العدم». الزمن هنا على عكاز خشبي. لا مكان الا لثقافة نبش القبور. ايديولوجيا نبش القبور!

اطلالة أخرى على التقرير الاخير لمعهد ستوكهولم الذي قدم أرقاماً مذهلة حول مشتريات السعودية من السلاح في السنوات الأربع المنصرمة.

لا أحد يعترض على مبادرة أي دولة عربية لبناء قوة عسكرية ضاربة. البلاط الذي يتحدث بصوت عال عن «الخطر الفارسي»، يتحدث بصوت منخفض عن «الخطر العثماني». المشكلة أن المملكة تدار، استراتيجياً، من البيت الأبيض.

تالياً، كل تلك المليارات، كل تلك الترسانات، تذهب هباء لمصلحة المايسترو الأميركي الذي يدفع في اتجاه التوأمة الاستراتيجية بين الكعبة والهيكل (التوأمة الايديولوجية أيضاً).

هذا يعني أن الصراع مع ايران مرشح للتفاعل أكثر فأكثر. معلقون غربيون لا يستبعدون امكانية الانفجار. بعض حاخامات اليمين المتطرف في اسرائيل يوحون بأن هبوط الماشيح بات وشيكاً. ذاك المخلص (للشعب اليهودي فقط) يهوى السير فوق الجماجم.

لمن، اذاً، دعوة برهم صالح ؟ المنطقة على قرن وحيد القرن. لو كان العراق على شيء من القوة، والتأثير، لتغيرت أشياء كثيرة. في تلك اللحظة كان برهم صالح... كاظم الساهر!!