نبيه البرجي

أكثر بشاعة بكثير من ثقافة الفساد، ومن ثقافة المافيا، ومن ثقافة المحاصصة، ومن ثقافة التبعية... ثقافة الكراهية !!

اذا ما تجاوزنا البعد الدموي في الصراع الكاثوليكي ـ البروتستانتي في أوروبا. واذا ما تجاوزنا «ليلة الفؤوس» في البلقان. ثمة قيادات حزبية في لبنان، بالأحرى قيادات طائفية، ترى في تأجيج الكراهية ضد طائفة أخرى أو أكثر ضرورة للاستقطاب، أو لتكريس الهالة المقدسة.

هذه ليست رؤية شخصية. فريق متخصص في احدى الجامعات الكبرى أجرى عملية مسح دقيق، وشامل، للبنى السيكولوجية داخل الأحزاب. اذ رأى أعضاء في الفريق أن بعض الأحزاب مصاب بـ«اللوثة التلمودية»، وحيث رفض الآخر، وكراهية الآخر، جزء لا يتجزأ من التشكيل اللاهوتي للدين اليهودي، رأى آخرون وجود أحزاب تقاد هتلرياً.

الزعيم (الفوهرر) الآتي للتو من الخندق، أو من القبر (قبر آبائه)، اذ يستشعر أن ديناميات التفاعل مع ايقاع القرن تنحو الى تفكيك الحالات التوتاليتارية، خصوصاً في المعنى القبلي والطائفي، لا يعود هناك من سبيل أمام بارونات الطوائف سوى اللجؤ الى الأساليب النازية في التعبئة ضد الآخر.

الاستنتاج أن بالامكان ارجاء الانفجار الاقتصادي، بالمليارات المسكّنة والتي لا يمكن أن تشكل علاجاً بنيوياً للدين العام، كما أن بالامكان الولوج الى الأزمات الأخرى بالتفاهم الذي يتخذ أشكالاً بهلوانية أو سريالية احترفها الساسة في لبنان.

المشكلة في التصدعات العاصفة داخل الخارطة السوسيولوجية للمجتمع اللبناني. ثقافة الكراهية لم تعد عشوائية، أو آنية، أو على شكل ردة فعل ميكانيكية. ما انتهى اليه الفريق أن الكراهية مبرمجة، وهي حالة استراتيجية تعتمدها القيادات الحزبية في شد العصب، وتفعيل التبعية العمياء لـ«صاحب الدم الأزرق».

هكذا، تماماً، كان الانكليز يتعاطون، وهم من ابتدعوا مصطلح «المسألة الشرقية»، مع شيوخ القبائل في شبه الجزيرة العربية غداة الحرب العالمية الأولى. تصنيع، وادارة، النزاعات بين القبائل، ليتسنى للأمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس هندسة الخرائط، وتعيين الحدود، بالسكين، وفقاً لمصالحها الآنية أوالبعيدة المدى.

ما يزيد من منسوب القلق لدى الفريق الجامعي أن ثمة طبقة من الاكليروس تشكلت لدى الطوائف الاسلامية. هذه الطبقة اذ تحترف النفخ في الأبواق، تحاول «خصخصة الله» ليكون ملكاً لطائفة معينة. تالياً، القفز فوق الزعامة السياسية التي تنعتها بالانتهازية والزبائنية والتواطؤ.

الحجة أن الرياح الصفراء التي تهب على المنطقة، بالتزامن مع الكلام عن تغييرات دراماتيكية في الخرائط، أو في الصيغ، تفترض النزول الى الخنادق (واقعاً... المستنقعات). الغوص اكثر في عظام الايديولوجيات التي اذ يتلاشى تاثيرها، تدريجياً، في سائر أنحاء المعمورة، يزداد وهجها في هذه المنطقة بالذات.

كلام عن «المناطق الجهنمية» في بعض الشخصيات السياسية. هذا ظهر، بشكل جلي، في المحادثات التي عقدت مع المبعوثين الأميركيين والأوروبيين. هؤلاء تلقفوا أكثر من صيحة استغاثة «أين انتم؟ الآخرون ينهشون لحومنا».

جيل كيبل كان قد تنبأ، وهو يلاحظ كيف يتدحرج الزلزال من دولة الى أخرى، بأن التوترات الجيولوجية داخل مجتمعات الشرق الأوسط، وحيث الاستعادة العبثية لبعض المفترقات التراجيدية في التاريخ، يمكن أن تفضي الى الـ«بيغ بانغ». الانفجار الكبير الذي لا يفضي الى البداية الكبرى وانما الى النهاية الكبرى.

المنطقة كلها على حافة الاحتمالات. القيادات المقدسة في لبنان تعتقد أن الاعصار الراهن الذي يأخذ أشكالاً لولبية لا بد أن يأخذ معه رؤوساً كثيرة. هذا يقتضي التعبئة الصاعقة للطائفة. الخوف من الآخر ينبغي الا يبقى داخل القمقم. لا سبيل الا في العودة الى أدبيات القرن التاسع عشر.

اللجؤ الى العراب الدولي تزامناً مع غرز الأظافر في وجه الآخر. الألماني الفذ يوهان فون غوته رأى ان ثمة الهاً وثنياً يتولى ادارة الكرة الأرضية. هذا حين لاحظ كيف أن المجتمعات الأوروبية (المسيحية) تترعرع على الكراهية. باروخ سبينوزا، الفيلسوف الهولندي الذي طارده الحاخامات بالسكاكين، قال ان هؤلاء لم يفقهوا في التوراة سوى أنها انتجت... اله الكراهية!

تيار دو شاردان سأل ما اذا كان النص الانجيلي قد دعا الى «أن نرتدي جلد الذئاب»، تاركاً لعالم الاجتماع الشهير بيار بورديو أن يلقي بالمسؤولية على التواطؤ بين الاكليروس السياسي والاكليروس الديني في التصدع الكارثي في منظومة القيم.

كل هذا ينطبق على مجتمعات المنطقة. على المجتمع اللبناني الذي يعتبر نفسه الأكثر قرباً من الحداثة، ومن التعايش مع الاخر. شظايا سوسيولوجية ذهبت في الهرطقة السياسية حد «خصخصة الله». في حين أتهمنا ارنست رينان كـ«ساميين» بـ«القبض على الله».

الفريق الجامعي لاحظ «اللامعقول في ثقافة الكراهية». العدوى تنتقل الى أبناء الحزب الواحد، أو الى أبناء الطائفة الواحدة. كل منهما قابل للتبعثر وللانفجار.

في نهاية المطاف، «جمهورية الكراهية». أن نجثو أمام الذئاب، وطقوس الذئاب. ابن رشد تحدث منذ ثمانية قرون عن الذين لا يكتفون بوضع الحجارة في أفواهنا. انهم يضعونها في قلوبنا.

حبذا لو يقتصر الصراع على الحجارة...!