محمود زيات

ترك الاحتلال الاسرائيلي المندحر من الجنوب، قبل اكثر من ثمانية عشر عاما، مساحات واسعة من الاراضي الملوثة بالالغام والقنابل العنقودية، لتتحول هذه «الحقول المفخخة» الى مخاطر حقيقية تهدد مباشرة المواطنين، سيما الاطفال الذين كان عدد كبير منهم ضحايا الالغام، فغالباً ما يعمد العدو الى رمي الغام وقنابل على شكل كرة او دمية او قلم تجذب التلامذة والاطفال، ليدفع اللبنانيون ثمنا غاليا من حياتهم، في مواجهة احتلال مباشر... واحتلال مقنع... مفخخ بالالغام والقنابل العنقودية ما زال داخل الاراضي اللبنانية.

ومع تزايد عدد ضحايا الالغام، جراء انتشارها العشوائي في مناطق سكنية وحرجية وزراعية، سيما في مناطق جنوب لبنان والبقاع الغربي وهي مناطق بقيت لفترات طويلة (1978 ـ 2000) تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي وتحويل المنطقة الى خط تماس مزروع بالالاف من الالغام، انفجرت اعداد كبيرة منها بمواطنين، بعضهم من رعاة الماشية، تتزايد المبادرات للمساهمة في الحد من انتشارها والعمل على نزعها والاهتمام بالمصابين الذين ما زال معظمهم يحمل معه معاناته التي تسببت بها اصاباتهم بالالغام، وتعاظمت مخاطر الالغام في المناطق السكنية في اعقاب العدوان الاسرائيلي خلال شهري تموز وآب من عام 2006، حيث انتشرت عشرات الالاف من القنابل العنقودية التي القيت على مساحات واسعة من المناطق السكنية والزراعية، وما زالت المناطق التي لم يتم تنظيفها الى اليوم، تشكل بؤراً خطرة على المدنيين.

المعطيات التي تتحدث فيها الجهات المختصة بعمليات ازالة الالغام والقنابل والذخائر غير المنفجرة، تؤكد ان عمليات التنقيب وازالة الالغام انجزت تنظيف ما يقارب الـ 70 بالمئة من الاراضي الملوثة بالالغام ... والباقي يتجاوز الـ 46 مليون متر مربع، بعد ان كانت المساحة الاجمالية للاراضي الملوثة بلغت 154 مليوناً و191 ألف متر مربع.

غياب التوعية لدى التلامذة والاطفال الذين غالبا ما يتعاملون مع الاجسام الغريبة بكثير من عدم الاكتراث، جعل مهمة المركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام مضاعفة، لجهة الامساك بملف مثقل بالكثير من المخاطر التي تتهدد حياة المواطنين، فالارض الملوثة بالالغام والقنابل، هي اشبه بأرض ما تزال محتلة، احتلال ما زال في باطن الارض يتهدد المواطنين، وتولي مسؤولية تنظيف الاراضي الملوثة بالالغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، فتنظيف الارض من الالغام ونشر التوعية في اوساط الفئة الاكثر استهدافا من الالغام، وهي الفئة العمرية ما بين 12 الى 15 سنة.

} المركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام:

عدد الضحايا بلغ 3799 بينهم 900 شهيد }

«الديار»، تُسلِّط الضوء على ملف الالغام ومعطياته وارقامه، من مسؤول التوعية والاعلام في المركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام الرائد في الجيش اللبناني علي مكي، الذي اشار الى ان المركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام اُنشىء عام 1998، وهو يشرف على كافة اعمال تنظيف الاراضي الملوثة بالالغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المتفجرة، اضافة الى التوعية ومساعدة ضحايا الالغام في لبنان، وتعمل تحت اشرافه فرق من فوج الهندسة في الجيش اللبناني ومنظمات غير حكومية، منظمتان محليتان واربع منظمات دولية، بالاضافة الى جمعيات لبنانية تعمل ضمن لجان وطنية للتوعية من مخاطر الالغام، ولجان اخرى لمساعدة الضحايا، لافتاً الى ان المركز يعمل ضمن معايير وطنية متوافقة مع المعايير العالمية.

ويكشف الرائد مكي ان مجمل الاراضي الملوثة بالالغام والقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة والعبوات غير النظامية، يبلغ 154 مليوناً و191 ألف متر مربع، تم تنظيف 70 بالمئة منها ويبقى 46 مليوناً و216 ألف متر مربع، موزعة على مختلف المناطق اللبنانية، ويقول ان مشكلة تلوث الارض بالالغام تعود الى الحرب الاهلية والاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان، واكبرها كان العدوان على لبنان عام 2006، حيث قام العدو باطلاق ما يزيد عن 4 ملايين قنبلة عنقودية، ووفقا للاحصاءات، فان عدد الضحايا الذين اصيبوا بالالغام والقنابل العنقودية، بلغ حتى اليوم 3799 ضحية، منهم ما يقارب الـ 900 شهيد، مشيرا الى انه في العام 2018 سجل اصابة 28 ضحية.

ويلفت الى انه مع تحرير جرود رأس بعلبك وعرسال من الارهابيين، في معركة «فجر الجرود»، قام المركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام باجراء مسح حدد خلاله البقع الخطرة، وبلغت مساحتها مليوناً و300 ألف متر مربع، وهي مفخخة بالعبوات غير النظامية والالغام والذخائر غير المنفجرة، والعمل جار على تنظيفها، ويقول ان نشاطات التوعية التي تسبق اليوم العالمي للتوعية على الالغام الذي يصادف في 4 نيسان، تندرج في اطار التوعية، وبخاصة ان فصل الصيف قادم، وفيه تتزايد الرحلات الى البرية، والفئة العمرية الاكثر استهدافا هي فئة من 12 الى 15 سنة، مشيرا الى انه بدأ مؤخرا العمل على ازالة الالغام والقنابل في المنطقة الحدودية، وبخاصة عند الخط الازرق، ويوميا تتم ازالة ما بين 40 و70 لغما من هذه المنطقة، مؤكدا العمل من اجل الوصول الى لبنان خالياً من الالغام والقنابل العنقودية وكل انواع الذخائر غير المنفجرة المنتشرة في مناطق لبنانية عديدة.

وتوجه بمناشدة المواطنين في مختلف المناطق اللبنانية، التعاون مع برامج ازالة الالغام والقنابل العنقودية، واحترام الشارات التي توضع في المناطق الملوثة بالالغام، وشدد على عدم العبث بهذه الشارات التي تحذر الدخول في المناطق الملغمة، وعلى المواطنين ان يدركوا ان العبث بهذه الاشارات قد تكفل حياة انسان، ليصبح من يعبث باشارة كأنه يزرع لغما، فهذه الاشارات هي لحماية المواطنين كل المواطنين.

} العبث بعلامات التحذير من الالغام...

كمن يزرع لغما }

وضع سلاح الهندسة في الجيش اللبناني والمركز اللبناني للاعمال المتعلقة بالالغام، علامات واشارات في الاماكن والبقع التي ما تزال خطرة، بسبب وجود الغام وقنابل عنقودية او ذخائر غير منفجرة، تحذر المواطنين من الاقتراب اليها، ولان العابثين لا يقدرون مدى اهمية هذه العلامات، ولا يدركون ان العبث بها هو كزرع لغم، لان الكثير من ضحايا الالغام اصيبوا بسبب ايدي العابثين الذين غالبا ما يجعلوا من هذه الاشارات والعلامات هدفاً لـ «خرطوش» بنادق الصيد.

} الالغام... تفتك بجسم الانسان }

معظم الاصابات الناتجة من الاصطدام بالالغام، تؤدي الى نزيف دموي في الاوعية الدموية المرتبطة بالدفاع والقلب والشرايين وتمزق الرئتين، بفعل شدة الانفجار، اضافة الى عمليات بتر للاطراف السفلية الكاملة او الجزئية، وفقدان السمع او البصر، فضلا عن الاضطرابات العصبية الناتجة من اصابات الدماغ او النخاع الشوكي او العمود الفقري، ما يؤدي بالاغلب اما الى شلل تام او جزئي او اعاقة جسدية.

} العالم يحتاج الى 1100 عام

للتخلص من الالغام }

كلفة إزالة كل لغم تبلغ بين 200 و 1000 دولار أميركي بينما تكلف صناعته من 3 الى 30 دولاراً أميركياً، وتقديرات الأمم المتحدة تتحدث عن انه في حال اتخذ قرار بالحظر الكامل للالغام، فان العالم يحتاج الى 1100 عام لازالة الالغام الموجودة في الارض، علما ان 120 مليون لغم «مزروعة» حاليا في 70 بلدا شهدت حروبا ومعارك عسكرية، من بينها لبنان، بحسب دراسات اللجنة الدولية للصليب الاحمر.