لبنان بلد العلم والحضارة، وتعدد الأديان والثقافات، يتميّز بتعدد طوائفه ومذاهبه، وأيضاً بجمال طبيعته الخلابة صيفاً وشتاءً، وقد وُصف في السابق بـ"سويسرا الشرق" لجمال جباله وبحره وأنهاره وثقافة شعبه ومحبته لبعضه البعض۔

كل هذا بات في خبر كان، و"كان" هي فعل ماضٍ للأسف ناقص، أي أنها تدخل على الأول ترفعه ومن ثم تنصب الثاني۔ هذا الذي حصل عندنا، إذ دخلت "كان" على لبنان رفعت من فساد سياسييه وأغنتهم ورفعت من ثرواتهم وزادتها ثراء حتى التُخمة، لكنها لم تنسَ الثاني أيضاً وهو الشعب اللبناني الذي دخلت عليه دخلةً عظيمة، إذ برفعه للأول جعلته ينصِب على الثاني ويهلّل ويصفّق له ويأتمر بأوامره بحجّة أنه هو المرفوع۔

بعد معاناة طويلة وتمديد مرتين للمجلس النيابي السابق، حصلت الانتخابات النيابية على قانون جديد استبشر به اللبنانيون خيراً۔ بعده تم تكليف رئيس ليشكّل الحكومة العتيدة التي بقيت تسعة أشهر حتى ولادتها والحمد لله، لكنها كانت ولادة قيصرية، والمهم أن المولود سليم معافى إذ أنها حصلت على ثقة كبيرة في المجلس النيابي وسمعنا أثناءها خطابات رنانة عن البيئة والكهرباء والطرقات وعن إصلاح وتغيير قد يحصل وعن الفساد والأهم كان محاربة الفساد الذي أجمع عليه الجميع من نواب ووزراء، ومن كل الطوائف والمذاهب، وصفّق له الجميع كما صفّق الشعب اللبناني لهذه البادرة الحسنة الطيبة التي زرعت الأمل في نفوسه أن الجميع ذاهب الى محاربة الفساد وأن الأموال التي سرقت أو نُهبت أو صُرفت هدراً، عن قصد أو غير قصد، سوف تعود وستبدأ المحاكمات ولن يكون هناك أحد فوق سقف القانون والكل كأسنان المشط من مواطنين وزعماء۔

أليس هذا ما سمعناه، أليس هذا ما صفّقنا جميعاً له، أليس هذا هو مطلبنا جميعاً بكل طوائفنا ومذاهبنا۔ كلنا وقفنا وقفة رجلٍ واحد في وجه محاربة الفساد وتذكرنا فجأة كلمات وقفتنا الوطنية "كلنا للوطن"۔

لكن، وفور انطلاقة عجلة محاربة الفساد والكشف عن الفاسدين وعمّن هدر أموال الدولة، وأياً يكن هذا الفاسد۔ عاد الكل الى معسكره الطائفي والمذهبي، وهذا ما كنا نخشاه، وهو ما سيحصل مع كل من ستوجه أصابع الاتهام إليه، ولا نعني أحداً بالتحديد، فبنظرنا الكل مشارك والكل فاسد بنسب معينة، لكن عندما تتم مكاشفة الأوراق ويبدأ كل متورط او مشارك في الفساد يذهب الى طائفته أو مذهبه أو حزبه ليحتمي بهم، فهذه مشكلة لا بل كارثة كبيرة على الوطن، ويمكن أن تعيدنا الى أيام الحرب الأهلية أو أن تجر البلد الى حروب مذهبية ضيّقة ويعسكر عندها كل عند طائفته، وهنا عندها حقاً سيطير البلد وسيغرق الجميع وسننشد بعدها جميعاً "طار البلد"۔

المعروف في لبنان أنه عندما تكبر الأمور وتأخذ منحى طائفي أو مذهبي أو حزبي أو عندما يمكن أن تصل الى أحد الرموز السياسية والحزبية الكبيرة، فإن السلم الأهلي يصبح مهدداً، والويل والثبور، لأن الناس ستنقسم مع وضد، ولأن الأمور في لبنان أساساً مذهبية ثم حزبية وطائفية وعائلية۔

على ما يبدو لن تكون هناك محاسبة ولن يكون هناك فاسد أو مفسدون، ولن يكون هناك من هدر للأموال، لأن الأمور ستتجه أخيراً، إذا بقيت على هذا المنوال، إلى القول "أنه لم يتبين هناك من فاسد أو مفسد في الدولة أو من رجال السياسة، بل الجميع عملوا لمصلحة الوطن العليا، ولكن كلّ على طريقته"۔

في المحصّلة، وبعد نقاشٍ ونقاش، وللحفاظ على الوطن وصورته أمام العالم، وليعلم الجميع أننا في بلد لا يترك فاسد دون محاكمة أو عقاب ولأننا في بلد القانون، ولأننا جادون في الدولة في محاربة الفساد والقضاء عليه أياً يكن هذا الفاسد حتى ولو كان الشعب "لأنه الحلقة الأضعف طبعاً"۔

لهذا، وبعد بحثٍ وتدقيق وتطبيقاً للقانون، تبيّن للجميع الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهو أن الشعب اللبناني هو "الفاسد" الوحيد ويجب محاكمته، لأنهم لم يعرفوا كيف يحافظوا على ثروات بلدهم، بل كانوا "مطيّفين، ممذهبين، مصفّقين" بامتياز، وكل الدلائل والقرائن تدل على أنهم هم الفاسدون الحقيقيين۔

أليس من يسرق ربطة خبز ليطعم أولاده بفاسد، أليس مَن يجرّ عربة كعكٍ في شارعٍ راق هو بفاسد، أليس من يضع بسطة خضار في منطقة مأهولة ومهندَمة هو بفاسق أليس من يموت على أبواب المستشفيات بفاسد، لأنه يشوّه سمعة البلد، أليس من يطالب ببيئة نظيفة بفاسد، أليس من يحرق نفسه أمام مدرسة بفاسد، أليس الفقر بفساد كبير، أليس الساكت عن الحق هو شيطان أخرس وفاسد۔

نعم، الشعب اللبناني هو "الفاسد" حاكموه!!

باسم الشعب اللبناني صدر الحكم "الشعب هم المفسدون"۔