تأتي هذه الزيارة للرئيس بشار الأسد غير المعلنة مسبقاً والمفاجئة الى طهران بعد أسابيع من توقيع البلدين اتفاق تعاون اقتصادي طويل الأمد، يشمل قطاعات عديدة أهمها النفط والطاقة الكهربائية والقطاع المصرفي والزراعة۔ وهي الأولى للرئيس الأسد منذ اندلاع الحرب الكونية على سوريا في عام 2011، حيث كانت آخر زيارةٍ له إلى طهران في عام 2010.

إن الحفاوة التي قابل بها المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية السيد علي الخامنئي، إنما تدل على عمق العلاقات بين دمشق وطهران، لأن الخامنئي استخدم مفردات ومصطلحات جديدة لم يستخدمها بحق أي رئيس عربي أو إسلامي، إذ قال "من خلال الصمود الذي أبدیتموه تحولتم إلى بطل على صعید العالم العربي، وبفضلكم تعززت قدرات المقاومة وارتفعت مكانتھا في المنطقة"، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مدى وعمق الاحترام الإيراني من القيادة العليا تجاه الرئيس بشار الأسد والقيادة السورية۔

وقد برز أيضاً الترحيب الحار للرئيس الإيراني حسن روحاني بالرئيس السوري بشار الأسد، والحديث المتعلق بمصير جبهة ادلب وشكل ومضمون كيفية التعامل معها، خاصة بعد جملة من الاستدارات الأمريكية والتركية، ولجهة إعلان ترامب عن إبقاء 200 جندي أمريكي في الشمال السوري وبعد الاعلان عن الانسحاب الكامل من سوريا، وعودة أردوغان مرة أخرى إلى الملعب الأمريكي وذلك بعد تفاهمات سوتشي الأخيرة، وهذا ما رأى فيه مراقبون ومحللون بأنه تمهيد تركي ربما لنسف اتفاق سوتشي، أو التملّص من الوعود التركية في الشمال السوري۔ من هنا يمكن فهم وجود الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، أثناء لقاء روحاني بالأسد.

من ناحية أخرى، فقد اعتبر بعض السياسيين والمحللين، أن هذه الزيارة المفاجئة الى طهران، من حيث الشكل والتوقيت، تأتي بمثابة رسائل عديدة الى كل المشككين بمدى عمق العلاقة السورية – الإيرانية، ورسالة استثنائية لكل من يحاول الاعتداء على محور المقاومة، وهي رسالة في مضمونها "أن هذا المحور قوي ولا يهتز وأن ما يحضّر له في المستقبل سيرونه بصيغ جديدة سواء كان حواراً او حرباً"، وهو على ما يبدو تأكيد من إيران أنه بعد انتهاء هذه الأزمة في سوريا ستكون هناك استراتيجية دفاعية أمنية بين إيران وسوريا لصدّ أي عدوان على سوريا من إسرائيل أو من أي كان يأتي هذا العدوان، وان هذه العلاقات سوف تستمر وتتوسع۔ وقد طلب الرئيس الأسد من القيادة الإيرانية أن تضع كل خبراتها وقدراتها في إعادة إعمار المدن التي شهدت دماراً وخراباً من قبل الارهابين والحرب التي فرضت عليها لتطهير القرى والمدن من هؤلاء وأن توضع تلك القدرات والخبرات تحت تصرف القيادة السورية۔

كما أن هذه الزيارة وفي توقيتها، هي مرحلة مفصلية جديدة ولها دلالات مدوية، والإسرائيليين على ما يبدو، هم أكثر من يدعون اليوم لقراءة جيدة لهذه الرسالة، ويعتبرون أن هذا اللقاء الحار والغير عادي هو بمثابة "إعلان انتصار للطرفين"۔ هي أيضاً رسالة للأمريكيين وبعض العرب المطالبين بفك الارتباط الإيراني – السوري كشرط لعودة سوريا الى حضن الجامعة العربية، وقد ترجم هذا الطلب أو الشرط، بالزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير منذ عدة أشهر وعلى عَجَل، الى الرئيس السوري بشار الأسد وحمل معه رسالة تطلب منه العودة الى الجامعة العربية تحت هذا المطلب، وجاء من بعد البشيرالى سوريا أحد الوزراء من إحدى الدول الخليجية وبعيداً عن الأضواء ويحمل رسالة تطالب القيادة السورية بفك التحالف مع إيران وحزب الله والعودة الى الجامعة العربية۔

على ما يبدو أن الصورة التي بثتها الكاميرات من خلال جملة الابتسامات والعناق الحار والاحتضان بين المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي الخامنئي والرئيس الأسد هي بمثابة الرد والقول: "نحن هنا يدي ويديّ سماحة المرشد الأعلى القائد علي الخامنئي معا"، وهذا رد سوري على الانفتاح العربي وان كل انفتاح الدنيا لن يفك هذا الاتفاق وهذا التحالف۔

فالصورة التي جمعتهما هي صورة عاطفية ووجدانية فيها الكثير من الوفاء ولكن أيضاً فيها الكثير من السياسة۔

باختصار، يبدو أن الرسالة وصلت إلى من يعنيهم الأمر۔