إن القرار الذي اتخذته الحكومة البريطانية بحظر "حزب الله" بشقيه السياسي والعسكري وتصنيفه كمنظمة إرهابية، بمَعزل عن التحشيدات الأمريكية والإسرائيلية هل هو فعلا من ضمن الحملة التي تقوم بها أمريكا ومن وراءها إسرائيل للاستعداد للحرب على إيران وعلى المنظمات المؤيدة للمشروع المقاوم في المنطقة ومنهم حزب الله الذي أثبت في الحرب السورية أنه عنصر أساسي وفاعل في هزيمة المشروع الأمريكي - الاسرائيلي، وسواء كانت هذه الحرب باردة أم ساخنة، وفي إطار التحشيد العالمي والإقليمي الذي تحضّر له أمريكا، لا يمكن إلاّ أن يوضع في خانة الضغوط الامريكية والإسرائيلية على لندن للدخول ضمن هذه الاستعدادات للحرب على إيران، سواء أكانت عسكرية أو سياسية.

على ما يبدو أن الحكومة البريطانيّة اليمينية المحافظة قد قررت الخروج عن السياسات الأوروبية، وذلك عندما لم تفصل بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب، إذ أنها ساوت بينهما في قرارها هذا وذلك في كلام لوزير داخليتها ساجد جاويد عندما قال: "لم نعد قادرين على التفرقة بين جناحها العسكري المحظور وجناحها السياسي غير المحظور، ولهذا اتخذت قرارا بحظر الجماعة بأكملها"، لذا فإن هذه الخطوة اعتبرت أنها استجابة لضغوط أمريكية وإسرائيلية، ولهذا لم يكن غريباً أن يكون أول المرحبين لهذا القرار إسرائيلي ومن "جلعاد أردان" وزير الأمن الإسرائيلي، وقد حث الدول الأوروبية الأخرى السيرعلى خطى بريطانيا واتخاذ قرار الحظر نفسه، ومن غير المستبعد أن يكون من أوائل الرؤساء المرحبين والمصفقين لهذا القرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو الذي اعتاد الناس أن يعلن أغلب مواقفه عبر "تغريدة" على مواقع التواصل الاجتماعي۔

بالنسبة الى "حزب الله" فمن غير المستغرب إصدار هكذا قرار ضده، ولكن المفاجأ كان إصدار الحظر على الجناحين السياسي والعسكري، وهو ما اعتبر خطوة غريبة بالنسبة لدولة مثل بريطانيا، وهي التي فرّقت بين الجناح العسكري للجيش الجمهوري الإيرلندي والجناح السياسي، وهو ما اعتبر ازدواجية بالمعايير عندما يتعلق الأمر بدول الشرق الأوسط وبالأخص بالصراع العربي – الإسرائيلي۔

كما أنه من المعلوم أن حزب الله لم يقدم على أي عمل عسكري ضد بريطانيا ومصالحها، سواء في الداخل اللبناني أو خارجه، ومن المعروف أيضاً أنه ليس هناك أي علاقة بين بريطانيا وحزب الله منذ فترة طويلة، لأنها هي من أغلقت كل قنوات الحوار، وذلك بعد كان المسؤولون في وزارة الخارجية البريطانية يوجهون دعوات لمسؤولين في حزب الله لزيارة لندن وتبادل الآراء والأفكار حول العديد من القضايا السياسية والأمنية المتعلقة بالمنطقة۔

يبدو أن بريطانيا لم تدرك تماما خطورة هكذا خطوة، وباتخاذها هذا القرار، إنما هي تعادي أو تقاطع فئة مهمة من النسيج والمجتمع اللبناني، وربما العربي أيضا، وهم الفئة المؤيدة للمقاومة ولحزب الله، في لبنان والعالم العربي، إن لم نقل في العالم ككل، وهو الحزب الذي شارك ويشارك في العديد من الحكومات اللبنانية، وله في الحكومة الحالية ثلاثة وزراء وإحداها وزارة رئيسية، هي وزارة الصحة۔

من المعلوم أن بريطانيا تعيش حالياً حالة الفوضى السياسية، وضعف الحكومة الحالية وارتباكها وخضوعها الكامل لضغط اللوبيات الإسرائيلية، سواء في الداخل البريطاني او في أمريكا۔ وتزامنا مع هذا القرار نشرت صحيفة "التايمز" البريطانية تقريرا للصحافيين ريتشارد فورد "مراسل الشؤون الداخلية وكايت ديفيلين تحت عنوان "حظر الجناح السياسي لحزب الله يسلط الضوء على كوربين" وذلك في إشارة الى زعيم حزب العمال البريطاني جيريمي كوربين، وهو الذي سلط الضوء على تعاطف كوربين مع "الجماعات المعادية لإسرائيل، إذ كانت بريطانيا تفرق بين الجناح المسلح والجناح السياسي للحزب" ذلك على حد تعبير الصحيفة۔

هذا ومن المعلوم أيضاً، أنه لو وافق مجلس العموم البريطاني على قرار وزير الداخلية ساجد جويد، فإنه سيضع بريطانيا في نفس الخط الذي يضم الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد نقلت "التايمز" عن جويد أيضاً قوله: إن "حزب الله يواصل جهوده لتقويض الاستقرار في الشرق الأوسط ونحن لم نعد قادرين على التمييز بين جناحه المسلح المحظور بالفعل وجناحه السياسي"، وهذا ما يؤكد العامل الأمريكي – الإسرائيلي الضاغط على بريطانيا للسير في ركبهم وفي المشروع الذي يحضرون له ضد إيران والمنطقة۔ من المنتظر أن يخضع هذا القرار للمناقشة في مجلس العموم البريطاني، وينتضر أن يتسبب في خلاف كبير بين حزب المحافظين والحاكم وحزب العمال المعارض والذي وصف زعيمه جيريمي كوربين حزب الله عام 2015 بـ"الأصدقاء" ومن المتوقع أن يعارض عدد من نواب حزب المحافظين هذا القرار والذين قد يساندون كوربين في معارضته ويقفون الى جانبه۔