انتهت الجلسة النيابية بنيل الحكومة الجديدة الثقة، وباشرت البحث في كيفية تخفيض العجز في الموازنة وتنامي الدين العام، وان كانت كلمات بعض النواب قد ركزت على دور للقطاع المصرفي اللبناني في التخفيف من هذا العجز، اما عن طريق الغاء بعض الدين، او اعادة هيكليته، او اطلاق سندات دين بفائدة صفر كما حصل في باريس -2 ايام الشهيد رفيق الحريري، او عقد جتماعات مع هذه المصارف التي تملك اكثر من 50 في المئة من قيمة هذا الدين والبحث معها في افضل الطرق لتخفيف هذا الدين.

الا ان امين عام جمعية المصارف الدكتور مكرم صادر يعتبر انه اذا تم اللجوء الى اي شكل من اشكال الغاء الدين العام قسراً، يلحق الاذى بالبلاد والعباد، ويقول «حبذا لو تهيب هؤلاء ما يذهبون اليه وانكفأوا، والبعض الاخر في بعض مؤسسات ومصارف الاعمال الدولية يطلقون الاحكام والاراء جزافاً، وقد رأينا النتائج الكارثية لما اسدوا من نصائح وقاموا به من توظيفات اودت عام 2008-2009 باستقرار الاسواق المالية العالمية، التي لم تشف منه حتى الان، وهم ربما يتطلعون الى اصطياد الفرص لتحقيق ارباح استثنائية جراء اي تعثر تشهده السوق اللبنانية...حبذا لو كانوا هم ايضاً اكثر موضوعية وحكمة في تحليلاتهم، بل واكثر تواضعاً...ولكن! هل مكة ادرى بشعابها نحتاج ونطالب بالاصلاح والتغيير فتنخفض معه مخاطر البلد وتاليا خدمة الدين وتوضع المديونية العامة مقارنة الى الناتج في مسار الاستقرار لئلا نقول في مسار انحداري، ضبط الهدر ومكافحة الفساد تغنيان عن التوجهات الاعتباطية والشعبوية التي غالباً ما يكون ذوو المداخيل المحدودة والمتدنية اولى ضحاياها دون اهل السلطة واهل المال.

وكان وفد من جمعية المصارف برئاسة الدكتور جوزف طربيه قد جال على الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، على ان يلتقي الرئيس سعد الحريري بعد ان نالت حكومته ثقة المجلس النيابي وقد اكد الوفد ان الوضع الاقتصادي لا يحتمل التأجيل وامام الحكومة برنامج واسع جداً من المتطلبات الاقتصادية، وبالطبع القطاع المصرفي ينتظر لينكب على الملفات الاساسية ومنها ملف الدين العام وملف اعادة تحسين تصنيف لبنان، اضافة الى محاربة الفساد الذي نشترك به جميعنا في مكافحته والمساءلة لوضع حد له.

ما قاله طربيه حول معالجة الملفات الاساسية ومنها ملف الدين العام يطرح اكثر من علامة استفهام حول كيفية معالجة هذا الملف، وحيث انه بالاستناد الى ارقام وزارة المالية للاشهر التسعة الاولى من العام الماضي، فان العجز في نهاية العام الماضي قدر بحوالى 1800 مليار ليرة ليتجاوز 9 الاف مليار ليرة (حوالى 6 مليارات دولار) اي ما يقارب 5،10 في المئة من تقديرات الناتج، وفي حال عدم اجراء الاصلاحات الموعودة، والتي اقلها ضبط الهدر في الانفاق واعتماد تدابير تقشفية فعلية وتحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي ان يتراوح العجز العام ما بين 10 الاف و11 الف مليار ليرة في عامي 2019 و2020 اي حوالى 11 في المئة و5،11 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، اما في حال المباشرة بالاصلاحات التي تأتي في مقدمها معالجة اعباء شركة كهرباء لبنان والبدء بتنفيذ برنامج «سيدر» فقد يبلغ العجز حوالى 9 الاف مليار ليرة في المتوسط، اي حوالى 9 الى 5،9 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، وان يرتفع الدين العام الى 153 في المئة و156 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي في عامي 2019 و2020 تباعاً في حال عدم اجراء هذه الاصلاحات، اما في حال اجرائها فسوف تنخفض هذه النسبة الى 152 و151 في المئة في السنتين المذكورتين تباعاً.

مصادر مصرفية اعترفت ان لبنان لا يلزمه سوى ادارة افضل، تطبق الاصلاحات خصوصاً العجز في مؤسسة كهرباء لبنان التي تخسر ملياري دولار سنوياً الذي يمكن معالجته من خلال رفع التعرفة التي تبقى اقل كلفة من كلفة اصحاب المولدات الخاصة، ومعالجة التهرب الضريبي الذي يقدر بـ4 مليارات دولار، واذا تم معالجة هذين البندين نسدد العجز السنوي في الموازنة.

اما الخبير الاقتصادي غازي وزني فيتحدث عن ابرز الخطوات الاصلاحية ومنها تصحيح المالية العامة من خلال ضبط الانفاق وتحسين الجباية من دون اجراءات ضريبية، تجميد التوظيف والتطويع اصلاح نظام التقاعد. اصلاح قطاع الكهرباء خفض العجز في الحساب الجاري لا سيما في الميزان التجاري، وتطبيق مؤتمر سيدر والنمو الاقتصادي، خفض كلفة الدين العام.

مفاعيل الاصلاحات

ويبدو ان مفاعيل الاصلاحات الاقتصادية والاصلاحات في المالية العامة، ان بدأت، ستأخذ مداها في الفترة الممتدة ما بعد العام 2020 كما تجمع عليه تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات موديز وستاندرد اند بورز وفيتش وغيرها، لناحية خفض المخاطر الماكرو - اقتصادية ووضع المديونية العامة بالنسبة الى الناتج على مسار انخفاضي وتحسين وضع المالية العامة. اما في حال الاطاحة بالاصلاحات وبمؤتمر سيدر، فان استدامة الدين العام على المدى الطويل قد تطرح جدياً، علماً ان ادارة المخاطر في المدى القريب تبقى قابلة للاحتواء كما تجمع عليه التقارير الصادرة اخيراً، ومنها تقريراً موديز وغولدمان ساكس.

وفي تقرير رفع الى مجلس ادارة جمعية المصارف ذكر ان مكامن الهدر وامكانية زيادة التحصيل الضريبي بسرعة وان تدريجياً حوالى 7،1 مليار دولار من الكهرباء وملياري دولار من الضرائب والرسوم و300 مليون دولار من الاتصالات.

- الكهرباء: بحدود 7،1 مليار دولار (من الهدر الفني وغير الفني (سرقة وتعديات)، والهدر في تحصيل الفواتير).

- الضرائب والرسوم:

- ضريبة الدخل على الارباح والاجور: يمكن تحقيق ما يزيد عن 1،1 مليار دولار في حال تمت ملاحقة التهرب من دفع ضريبة الدخل على ارباح الشركات والمؤسسات الفردية واصحاب المهن الحرة، ومن دفع ضريبة الدخل على الرواتب والاجور وفقاً للنسب المعمول بها حالياً.

- الرسوم العقارية: يمكن تأمين حوالى 200 مليون دولار في حال اتخاذ اجراءات مكافحة التهرب من دفع الرسوم المستحقة في هذا المضمار وتطبيق المساواة في الضرائب المتكررة ومكافحة التهرب من الضرائب غير المتكررة فضلاً عن رسم الانتقال.

- الضرائب والرسوم على السلع بما فيها الرسوم الجمركية: يمكن اضافة حوالى 500 مليون دولار من ايرادات هذه الضرائب والرسوم من مجال عدة، خصوصاً البضائع المستوردة لاعادة تصديرها والتي يتم ادخال جزء منها وبيعه في السوق المحلي. والتمكن من وقف الهدر في الرسوم الجمركية.

- الاتصالات: هناك تساؤل عن التراجع الحاصل في العائدات من وفر موازنة الاتصالات (من حوالى 1900 مليار ليرة في كل من العامين 2016 و2017 الى 981 مليار ليرة في الاشهر التسعة الاولى من العام 2018)، وامكانية اعادة رفعها بالنظر الى المستويات التي سادت في مرحلة سابقة.

- ايرادات اخرى: يمكن تحصيل ما يقارب 200 مليون دولار في حال اعادة النظر في بعض الاعفاءات المعمول بها والتي تعتبر هدر مقوننا.

ان اتخاذ اجراءات فورية لتخفيض الهدر في المد المنظور (2019- 2022) بات ضروريا، فتحصيل ربع هذا الهدر سنويا وبشكل تدريجي على مدى 4 سنوات من شأنه ان يحول العجز الاولي الى فائض اولي وان يؤدي تاليا الى تقليص العجز في الحساب الجاري الخارجي، علما ان الاخير يحتاج الى معالجات اضافية من خلال اجراءات قد يكون اهمه ضبط وترشيد الاستهلاك (البضائع المستوردة) من جهة، والعمل على انماء العائدات السياحية الصافية ودعم الصناعة وتحفيز التصدير من جهة اخرى، ومن المؤكد مع معالجة هذه الاختلالات الاقتصادية (العجرين المالي والجاري)، ان تعود الثقة تدريجيا، ما ينعكس بدوره ايجابا على الحركة الاقتصادية وعلى النمو الاقتصادي وانخفاضا في مستويات الفائدة لتعود مناسبة للاقتراض والاستثمار.

الحجوزات في الحساب الجاري

وتحديث التقريرعن العجوزات في حساب الميزان الجاري.

ان العجز الخارجي المرتفع اصلا بجميع المقاييس بفعلا لاستيراد المتضخم للسلع قد تفاقم مؤخراً مع تراجع صافي التحويلات من العاملين في الخارج وتراجع صافي التدفقات المرتبطة بالخدمات، ولا سيما انخفاض العائدات السياية بشكل ملحوظ. وهي وقائع ارتبطت بتزايد العمالة الاجنبية في البلد على نحو غير مسبوق، وضعف مداخيل اللبنانيين في الخارج مع ضعف النمو الاقتصادي في بلدان اقامتهم، وحالة عدم اليقين القائمة في لبنان، والعوائق الموضوعة امام السياحة المحلية لا سيما من الدول الخليجية، وتزايد طلب اللبنانيين للسفر والسياحة مع التسهيلات القائمة وتراجع القيمة الشرائية لبعض عملات الدول القريبة والبعيدة.

في المقابل، فان عملية استقطاب الاموال المطلوبة من الاسواق لتغطية عجوزات الحساب الجاري عرفت بدورها تراجعا، سو،اء عبر صافي الاستثمارات المباشرة (FDI) او المحافظ المالية او الودائع المصرفية، ما انتج عجوزات متتالية وملحوظة في اجمالي ميزان المدفوعات، وبالتالي تراجعا في الموجودات الخارجية الصافية للجهاز المصرفي (مصارف ومصرف لبنان).

ان العجز الخارجي الذي يقدره البعض بحدود 9 الى 10 مليارات دولار فيما يعتبره البعض الاخر بحدود 12 مليار دولار سنويا، والذي يغذيه ويتغذى منه العجز الداخلي، اي عجز المالية العامة، بات يشكل اولوية في معالجة الاختلالات الماكرو - اقتصادية بالنظر: اولا، الى ضخامته، وثانيا، الى انخفاض منسوب التدفقات الخارجية، وثالثا، الى استنزافه المحتمل لاحتياطيات لبنان من العملات الاجنبية ما يتطلب العمل على ابطاء وتيرة الانفاق من قبل القطاع العام ومن قبل القطاع الخاص على حد سواء، اي تخفيض استهلاك السلع المستوردة والعمل على دعم الصادرات اللبنانية كما سبقت الاشارة اليه. وهذا ما يخفف الضغط على الجهاز المصرفي لجهة اضطراره الى تأمين نمو في الودائع بالعملات الاجنبية بحدود 7% سنويا. مع ما ينتج عن ذلك من ارتفلاع في بنية الفوائد المحلية ومن ركود في النشاط الاقتصادي.

دور المصارف

وتطرق التقرير الى الضرائب على القطاع المصرفي التي باتت مرتفعة جدا حسب التقرير وتقارب في المتوسط 30 في المئة من دخل القطاع مقارنة مع معدل الضريبة على ارباح الشركات والبالغ 17%، فاستنادا الى بيانات وزارة المالية، بلغت ضريبة الدخل على الارباح (شركات ومؤسسات فردية ومهن حرة) ما مقداره 1143 مليار ليرة في العام 2016 و915 مليار ليرة في العام 2017، من دون احتساب ضريبة الهندسات المالية غير المتكررة، وقد بلغت حصة المصارف من ضريبة الدخل هذه 776 مليار ليرة في العام 2016، اي ما نسبته 68% و663 مليارا في العام 2017، اي ما نسبته 72% علما ان مساهمة المصارف في الناتج المحلي الاجمالي، اي في اجمالي الدخل من ارباح واجور وغيرها هي فقط 6% تتوزع بين ارباح المصارف (4.5%) واجور العاملين في القطاع (1.5%). وهذا دليل واضح على ان المصارف تؤدي ضريبتها بشكل كامل وشفاف مع اعتمادها قواعد المحاسبة الدولية السليمة وخضوعها لرقابة شركات التدقيق العالمية ولرقابة السلطات النقدية والرقابية. ويؤشر هذا الواقع الى حجم التهرب الضريبي المشار اليه اعلاه والى التقصير في استيفاء حقوق الخزينة، ومن المتوقع ان تزيد مساهمة المصارف عن هذه المستويات في العام 2018 مع رفع الضريبة على الارباح من 15% الى 17%.

وتشير ايضا بيانات وزارة المالية الى ان ضريبة الدخل على الفوائد بلغت 819 مليار ليرة و904 مليارات ليرة في العامين 2016 و2017 على التوالي. وجاءت حصة المصارف منها 299 مليارا و313 مليارا تباعا، اي 36.5% و34.6% من مجموع هذه الفئة من الضرائب. ومن المتوقع ان ترتفع القيمة المحصلة من المصارف كضريبة على الفوائد المصرفية وحصتها في العام 2018 بشكل ملحوظ، اولا نتيجة رفع معدل الضريبة الى 7% بدلا من 5% وثانيا بسبب توسيع نطاق هذه الضريبة لتشمل كافة ايداعات المصارف لدى مصرف لبنان واخيرا بسبب ارتفاع مستويات الفوائد في السوق اللبنانية، كما تسهم المصارف بحوالى ثلث ما هو محصل من ضرثيبة الدخل على رؤوس الاموال المنقولة (توزيع ارباح/ مخصصات...) اضافة الى حصتها من الضرائب والرسوم على الملاك المبنية وعلى القيمة المضافة والتي هي بحدود 5% من اجمالي المبالغ المحصلة.

كما تجدر الاشار الى ان المصارف تسهم من خلال موظفيها بشكل بارز في حاصلات ضريبة الدخل على الرواتب والاجور، اذ ان حوالى 20% من هذه الضريبة، التي بلغت ايراداتها 767 مليار ليرة في العام 2017، متأتية من موظفي المصارف، علما ان موظفي المصارف لا يشكلون اكثر من 1.5% من العمالة في لبنان.