خلال تسعينيات القرن الماضي شهد العالم حادثة غريبة وفريدة من نوعها حصلت بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين كادت أن تسفر نتائجها المتسرعة إلى حرب غير مدروسة، لكن اللحظات الأخيرة كانت كفيلة بإنقاذ الموقف.

في بداية التسعينيات ومع أفول الاتحاد السوفييتي وصعود الولايات المتحدة الأميركية الذي أدى إلى تغير النظام العالمي من الثنائية القطبية إلى نظام القطب الواحد.

شكلت التسعينيات منطلقا لصعود قوة جديدة في العالم من خلال ثورة صناعية وتجارية أعطت الصين مكانة دولية وعالمية في يومنا هذا.

مرت العلاقات الصينية الأميركية بمراحل مختلفة حاولت خلالها الصين تطوير نفسها في كل المجالات لتكون قادرة اليوم على مجاراة ومنافسة الأميركيين بكل شي خصوصا بالتجارة والصناعة والأعمال، بالإضافة إلى الصناعات العسكرية والتكنولوجية.


الباخرة الصينية التي أقلقت أميركا

بدأت الحادثة في عام 1993 مع ورود تقارير استخباراتية أميركية إلى البنتاغون عن عقد صفقة صواريخ وأسلحة نووية صينية لإيران. هذا الأمر رفع درجة التأهب لدى الإدارة الأمريكية التي اجتمعت خصيصا للتباحث بالأمر الذي قد تكون نتائجه وخيمة على الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

اللقاء جمع الرئيس الأميركي مع مختلف الضباط في المخابرات الخارجية الذين وضعوا كل ما لديهم من معلومات حول الصفقة الصينية الإيرانية، وبحسب المعلومات أشارت الاستخبارات في تقاريرها أن الشحنة ستنقل في سفينة شحن صينية تحت تسمية "يين هي".

يسرد الدبلوماسي الأميركي، جون تكاسيك، مذكراته عن الحادثة حيث يقول " بعد ورود التقارير والاجتماعات المهمة مع الرئيس والمختلف الأجهزة العسكرية والأمنية الأمريكية، استطاعت المخابرات تحديد السفينة التي ستنقل الشحنة والمسار الذي تسلكه بدءا من شنغهاي إلى هون كونع، جاكرتا والدمام وصولا إلى إيران وتحديدا ميناء بندر عباس".

ويضيف "كان القرار الأميركي منع وصول الشحنة إلى إيران وحتى لو نتج ذلك عن قطع العلاقات مع الصين، لأن إيران دولة عدوة وتمثل تهديدا لإسرائيل والمنطقة العالم".

بدأت الولايات المتحدة بخيار دبلوماسي من خلال إرسال دبلوماسيين إلى الخارجية الصينية للسؤال عن الشحنة ومحتواها، لكن الصين نفت هذا الأمر واعتبرت أن الموضوع حصري وتجاري ولا يمكن لأي دولة التدخل بهذه المواضيع.

لكن مع اقتراب السفينة أكثر وأكثر إلى إيران، أولا خلال رسوها في سنغافورة حاول الأمريكيون عبر الجمارك المحلية تفتيش المحتوى لكن العملية باءت بالفشل، بعدها في جاكرتا حيث تم تفريغ الحاويات على الأرض لكن الحاوية الأساسية تحت رقم 2806 لم تفتح وبقيت تحت المراقبة الأمريكية لساعات طويلة قبل انطلاق الشحنة مجددا في البحر.

بعد بلوغ الشحنة الخليج العربي، وردت للصين معلومات عن مراقبة الأميركيين لإحدى سفنها، فكان رد الصين أن أي توقيف للسفينة في البحر أو تفتيشها سيكون اعتداء على سيادتها وبالتالي قد تقوم بكين بخطوات تصعيدية. ومع وصول الشحنة إلى الدمام السعودية كنقطة استراحة، سعى الأمريكيون من خلال مفاوضات مطولة مع الصين إلى اعطاء الحق لواشنطن بتفتيش السفينة وخصوصا الحاوية 2806.

وخلال اليوم الثاني وصل إلى الدمام في السعودية فريقا أميركيا متخصصا من وكالة الاستخبارات الأمريكية وموفدا صينيا رفيع المستوى إلى المكان نفسه. ويقول تكاسيك" بدا الأمر كاحتفال لكن الجميع على أعصابه خصوصا أن اللحظات الحاسمة تقترب من الحقيقة فالأمر بغاية الأهمية لأميركا وإسرائيل والعالم".

لكن حصل الذي لم يكن متوقعا الحاوية2806 كانت تحوي مجرد ألعاب وبعض الأمتعة. فاكفهرت وجوه الأميركيين بذلك وشعروا أن الصين مارست ضغطا مقنعا على الولايات المتحدة فقط لمجرد أنها تشعر بأنها قوة عظمى.

سبوتنيك