رضوان الذيب

توقف الكثيرون من قادة الرأي وفاعليات مدنية وسياسية واجتماعية امام افتتاحية المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم في مجلة الامن العام في عددها الاخير. والصرخة التي اطلقها بوجه الجميع، للتحرك قبل فوات الاوان، بعد ان وضع وبشكل عميق الاصبع على جرح مشاكل اللبنانيين قبل ان «يصبحوا رحلاً» وحض المسؤولين على المبادرة وهذا الموقف الجريء والمتقدم في تاريخ الجمهورية يصدر لاول مرة عن مسؤول ما زال في سدة المسؤولية، لمعرفته بامور البلد وتحديداً الشباب منهم في ظل التقارير الواردة اليه عن اوضاع الناس، وترهل مؤسسات الدولة، وحالة الاحتقان الشعبي نتيجة البطالة المرتفعة والاوضاع الاقتصادية السيئة، حتى ان المتابعين طالبوا بضرورة اعتماد افتتاحية اللواء ابراهيم كملحق في البيان الوزاري وتلاوته على النواب في ظل ما تضمنه من شروح لاسباب المشكلة اللبنانية وبالعمق. وبالتالي، فان هذا الكلام عن واقع الدولة وتحديد مشكلتها الحقيقية لم يقاربه بهذا العمق سوى الامام المغيب موسى الصدر، والشهيد كمال جنبلاط والامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله.

وحسب المتابعين من قادة الرأي، فان اللواء ابراهيم كان جريئاً عندما كتب «اكثر ما يحتاج اليه لبنان في ظل الظروف المتراكمة منذ سنوات ورجال دولة يتبصرون المستقبل بعين ثاقبة ويتجاوزون العقبات والمعوقات، اكثر من حاجته الى رجال سياسة لا يرون الا الراهن السياسي ويقفون عاجزين امامه وتدفعهم المعوقات الى الارتداء الى الوراء»، وهذا كلام كل اللبنانيين المؤمنين بلبنان وتطوره وتعافيه، لبنان كما كان، وكما يحلم به كل اللبنانيين وليس لبنان الطوائف والمذاهب والنعرات الطائفية والمذهبية والخلافات، سياسيون ينقلون لبنان من ضفة الى ضفة، سياسيون «قامات» على قياس الوطن وليس المذاهب والطوائف.

ويقول اللواء ابراهيم ان «عدم الاستقرار السياسي معطوفاً على ازمات البلد الطائفية، واعتماد منطق التكفير السياسي والاقتصادي والاجتماعي واحياناً الديني، من الكل وضد الكل - يحسم بان المستقبل مخيف، يتفلت من الطمأنينة التي يعترض بالدولة توتيرها، كون هذه الطمأنينة وهذا الاستقرار وظيفة من وظائف الدولة».

ويضيف اللواء ابراهيم الذي يقوم نموذجاً جديداً للدولة ليس في لبنان بل في العالمين العربي والثالث «الاستقرار السياسي المنشود والمطلوب ليس ذاك الذي يقوم على الخوف من السلطة واجهزة الدولة الامنية والقضائية، الا بوصفها آليات لتأمين انتظام المجتمع وفقاً للنصوص الدستورية والقوانين المرعية الاجراء»، داعياً السياسيين الى «مغادرة العقليات الحالية، لكن المؤسف ان الغالبية لا تزال تردد اللغة السياسية عينها، على الرغم من كل ما حل لبنان، والاصرار على استجلاب مشاكل الخارج الى الداخل الهش بفعل توزع الولاءات الطائفية والسياسية في جهات الارض الاربع ورفعها وجعلها اولوية تتقدم الوحدة الوطنية والدولة القوية الضامنة للجميع بغض لنظر عن هوياتهم ومعتقداتهم الروحية والثقافية».

وابرز ما قاله اللواء ابراهيم عبر توصيفه لاثارة الغرائز الدينية بالقول «العطب السياسي ليس في التعدد الديني والمذهبي والثقافي، انما في الاستغلال السياسي وتعامله مع هذه التعددية في طريقة استشارة الهويات والعصبيات الضيقة في مقابل الاخر، والتمترس خلف خصوصيات الجماعات على حساب الدولة والوطن، ما ينتج ولاءات غير لبنانية، بل ولاءات ما دون وطنية. وبالتالي، ضعضعة الوحدة الوطنية لصالح الوحدة الطائفية، فلا يضير الانسان ان يكون مؤمناً على العكس، بل ما يهلكه هو وغيره ومعهم البلد هو الاتجاه بالهويات الضيقة وجعلها اولاً» ، وهذا الكلام يختصر حقيقة مرض الدولة اللبنانية.

ولذلك، وحسب المتابعين فان اللواء ابراهيم حذر من سياسات حافة الهاوية، كي لا يصبح اللبنانيون «رحلاً» في العالم.. خصوصاً ان مسؤولاً بارزاً مثل اللواء عباس ابراهيم عندما يحذر المسؤولين من التقارير عن معدلات طلبات الهجرة، وبارتفاعها الخطر، بالاضافة الى معدلاتب طالة مرعبة لا تبشر بالخير، اضافة الى التحذير الشديد الذي اطلقه من انتشار المخدرات كالوباء، فهذا يعني الى اي مدى وصل حال الدولة اللبنانية، حيث يدعو اللواء ابراهيم المسؤولين الى الاطلاع على تقارير لجنة الامم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا بشأن لبنان.

وابلغ وصف اطلقه اللواء لهذا الوضع بان لبنان «صار مولداً للبطالة» شارحاً ايضاً موضوع ملف النازحين السوريين وضرورة حلّه «ليس من باب التحريض على هؤلاء لانهم ضحايا بل لحل قضيتهم التي باتت تشكل استنزافاً للاقتصاد الوطني».

وحسب المتابعين، فان ما طرحه اللواء ابراهيم هو لسان حال كل اللبنانيين ومشكتهم مع دولتهم العاجزة عن تلبية طلبات الناس، وهل يعقل ان ديون لبنان تجاوزت الـ100 ملياردولار بالاضافة الى ما تم دفعه على البنى التحتية، نوحتى الآن لا توجد كهرباء ولا مياه ولا طرقات ولا بنى تحتية سليمة؟ فيما العاصمة مهددة بالعودة الى ازمة النفايات، وبالتالي، على ماذا صرفت هذه الاموال؟ اين ذهبت؟ حتى ان التقارير الدولية عن حجم اموال السياسيين اللبنانيين في المصارف السويسرية «مرعبة» اذا صحت هذه التقارير. وبالتالي، كيف يمكن لدولة ان تقوم بدون خطط؟ فاين خطة الكهرباء، وما هي الطريقة التي ستعتمد؟ كيف يمكن حل قضية النفايات واين مئات الدراسات التي كلفت المليارات؟ واين؟ واين؟ واين؟ كلها اسئلة بدون اجوبة. في ظل عدم امتلاك الطبقة السياسية الحالية اجوبة وافية عن مشاكل البلد.

وفي ظل هذه الصرخة المظلمة لا بد في هذا المجال من الاضاءة على انجازات الجيش الاخيرة ودورة الضباط ونتائجها ورفض قائد الجيش التدخلات السياسية، ما عاد للجيش بريقه ونقاؤه بعد ان حاول السياسيون تلويثه، كما ان انجازات الامن العام واعتماد اللواء عباس ابراهيم معايير الكفاءة في كل مديريات الامن العام جعلها موضع احترام كل اللبنانيين الذين يريدون الدولة على صورة الامن العام، حيث استلم الامن العام ملف النازحين السوريين وهو الملف الحساس والدقيق والخطير من كل النواحي، ولم تسجل منظمات الامم المتحدة اي شائبة على ممارسات الامن العام، مما جعله حط احترام دولي والاشادة بدوره من كل الدول التي تتعاطى بملف النازحين، ولم يتعرض اي نازح مهما كان موقفه السياسي لاي ضغوط وتم التعامل معه كانسان قبل كل شيء. وبالتالي، ما الذي يمنع المؤسسات الاخرى في الدولة من ان تكون على مثال الجيش والامن العام، ولماذا لا يعمم مثال عمل الامن العام والجيش على كل مؤسسات الدولة، وخصوصاً في الوزارات، لماذا لا يتم تفعيل اجهزة الرقابة؟ ودور القضاء ومجلس الخدمة المدنية وان يكون المدخل الوحيد للتوظيف بدلاً من الاستعطاء على ابواب الزعامات السياسية، ويتم التعيين على امزجتها، ولماذا لا يتم تفعيل اجهزة دوائر الدولة واجراء اصلاح اداري شامل وانشاء وزارة للتخطيط. وتنفيذ المشاريع عبر تلزيمات صارحة تحافظ على مالية الدولة؟ فالصورة الحالية عن الدولة لا تبشر بالخير مطلقاً، وتزيد من احباط اللبنانيين الذين عادوا للاصطفاف امام ابواب السفارات طلباً لهجرة دائمة، ورغم كل ذلك اللبنانيون متفاءلون بالحكومة وسيعطونها الفرصة وربما تكون الاخيرة، والا فان البلد معرض لكل الاحتمالات ولهزات اجتماعية اين منها السودان وفنزويلا وفرنسا وما تشهده بلاد عديدة.