نور نعمة

استشهد جورج زريق بسبب اوضاعه الاقتصادية رافضا العيش بالذل والعوز، وتباكى عليه مسؤولون لبنانيون كثر، رغم علمنا ان هؤلاء لا يعلمون بأوجاع الناس ولا يتعاطفون معهم. فكل هذه الدموع التي ذرفت من الطبقة السياسية ما هي الا دموع التماسيح. مات جورج زريق قهرا ويأسا من عدم قدرته على تسديد اقساط المدرسة لطفلته. وكم من جورج زريق يوجد في لبنان يتألمون ويعانون من صعوبة الحياة في لبنان وغلاء المعيشة ويموتون الف مرة بسبب عجزهم عن تأمين أبسط الامور لاولادهم.

أي دولة هي تلك الدولة التي يموت فيها مواطنيها انتحارا لعدم قدرتهم على دفع قسط مدرسي، في حين نرى ان المسؤولين يتلهون بسجالات سياسية تافهة لا تفيد المواطن ولا الوطن؟ اي دولة هي تلك الدولة التي يزداد الفقير فيها فقرا في حين يزداد الغني ثراء؟

بئس هذه الدولة التي تغيب فيها العدالة الاجتماعية والتي لا تأبى لشجون المواطن وهمومه، فلا توفر ابسط الحقوق للبناني الفقير. بئس هذه الدولة التي يموت فيها جورج زريق قهرا جراء ظروفه المعيشية ولا يستقيل مسؤول او يحاسب احد في الدولة. الطعام الذي نأكله فاسد، نهر الليطاني ملوث، الهواء الذي نتنشقه ملوث، نعيش بين النفايات والمجارير. بتنا نعيش في مكب للنفايات. نعيش في الجحيم. يموت بعض المرضى على ابواب المستشفيات في انتظار الحصول على موافقة شركات التأمين لعلاجهم. يحرق أب عائلة نفسه لانه غير قادر على تعليم اولاده، والمدارس لا ترحم احدا. كبار السن محرومون من اي امتيازات تضمن عيشهم بكرامة.

هذه الفاجعة التي أدمت قلوبنا باستشهاد جورج زريق تطال كل مواطن، كل عائلة، كل اب، كل ام، لان ما يحصل في لبنان ليس من باب الصدفة ولا يأتي من فوضى تعتري البلاد بل من سياسة ممنهجة لافقار اللبناني وتشريده وتهجيره. فهل غياب الطبقة الوسطى امر بريء ام امر مدبر؟ هل ارتفاع نسبة الفقر في لبنان امر غير مخطط له ام انه امر مدروس لانهاك اللبناني؟

انت يا جورج زريق شهيد وضحية بلد تخلى عن مواطنيه وترك السارقين والفاسدين ينخرون الدولة ومؤسساتها. انت يا جورج شهيد وضحية اجرام سياسي مزمن افقر اللبنانيين واحبطهم ويأسهم. انت يا جورج زريق شهيد وبطل ثار على الظلم وكشف مدى الانحطاط الذي وصلنا اليه وفضح القلوب السوداء واظهر ان الفقراء في لبنان ليس لهم احد.

وبمقدار ما يلفنا الحزن على هذه المأساة التي ابكت لبنان بأكمله، بمقدار ما نرى ان الوقت قد حان للتحرك للانتفاض على الواقع المزري. لقد حان الوقت للثورة على الظلم، على الفقر، على غياب العدل والعدالة الاجتماعية. حان الوقت لتصحيح المسار للبنان، لاننا اذا تركنا هذا الامر للمسؤولين في الحكم فلن نصل الى اي نتيجة، وكيف يمكن ان نثق بهم وهم اساس مأساتنا ووجعنا وحالتنا؟

جورج زريق شهيد ولا يجب ان تذهب دماءه هدرا. نبكيه اليوم، ولكن غدا ننساه وننسى ما جسّده من غضب وقهر ويأس يعتري عدد كبير من اللبنانيين. فهل نصمت ام نثور؟