ذهبت دماء رجل هدراً بعدما قتلته الحاجة وأحرق نفسه التي لم تتحمّل صعوبة الحياة التي يعيشها. قتل نفسه لأنه لم يقدر مواجهة الحياة في هذا الوطن، لأنه لم يتمكّن من دفع الأقساط المدرسية التي تشكّل عبئاً عليه وعلى كل شخص "فقير" في هذا الوطن.

جورج زريق رحل، ورحلت معه ثورته التي كان لا بدّ من أن تُشعل نيران الثورة في كل أنحاء الوطن، فخانه كل شخص منا لأن الثورة كانت بالكتابات والإنتقادات والتعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي... لكن على الأرض "لا شيء" إنما خيانة الدماء التي ذهبت هدراً، فهو شقّ لنا طريق الثورة، لكننا رفضنا السير على هذه الطريق، واتّخذنا طريق "الخضوع الدائم" لمن نهبنا وسيّرنا وقادنا ووجّهنا نحو طريق الذلّ والفقر والعوز والحاجة.

محمد البوعزيزي رحل أيضا، منذ حوالي 8 سنوات في تونس، أضرم النار بنفسه بعد أن صادرت السلطات البلدية عربة الخضار التي كان يسترزق منها. الفرق أن البوعزيزي، أشعل ثورة شعبية أطاحت بالرئيس... لأن "الشعب ينبض بالحياة". ثورة جورج لم تكتمل، لأن الرجل القوي والجريء الرافض لكل الفساد في البلد، لم يجد "الشعب النابض بالحياة" لإكمال الثورة التي بدأ بها على حساب حياته، إنما وجد "شعباً ميتاً" لا تنبض فيه الحياة... لكنّه لم يكن يعلم بذلك.

خسر الوطن الثورة، وخسر الشعب "الحظّ" بعد أن شقّ جورج طريق الثورة والإنتفاضة. كل ما حصل عليه بعد موته، عبارات ليس لها أي "طعمة"، عبارات اعتدنا عليها ترافق موته لأيام قليلة... ثم ننسى، ننسى كل شيء، ثم نتابع السير على "طريق الخضوع".

فالعقدة موجودة بهذا الشعب، ولو قدّم ملايين الناس أرواحهم فداء للوطن ولثورة الوطن، سيظلّ هذا الشعب الضعيف سائراً وراء الزعيم، خائفاً منه، لا يريد لا الثورة ولا الإنتفاضة، يريد فقط "التستير" على أعمال زعيمه الفاسدة، وهؤلاء الأبطال "القلّة" الذين يشبهون جورج والبوعزيزي، سيبقون عناوين الثورة والقوة والنصر لمن يرفض التبعية والإنتماء للزعيم والحزب.

تحية لأرواح الأبطال في وطن لن يحيا أبداً!