دوللي بشعلاني

أن تُلغى وزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد، في الوقت الذي تريد فيه حكومة «الى العمل» أن تكون «حكومة تتصدّى لأسباب الخلل الإداري والفساد المالي والتهرّب الضريبي»، على ما جاء في نصّ بيانها الوزاري، وذلك من دون أن تكون هناك وزارة تكشف الفساد وتفضح مرتكبيه بهدف معاقبتهم ومحاسبتهم في القضاء، فهذا يعني أنّ الفساد مستشرٍ في جميع مؤسسات الدولة والوزارات الحكومية من دون استثناء... وربما لهذا السبب لم تتمكّن وزارة الدولة لمكافحة الفساد المستحدثة في الحكومة السابقة من كشف أي عملية فساد أو صفقة كبرى تؤثّر سلباً في خزينة الدولة.

وتقول مصادر سياسية عليمة انّ وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني وضع في الحكومة السابقة، ما يُسمّى بـ «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وسلّمها الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وتتضمّن الحكومة الرقمية في خطوطها العريضة. كما تحدّث عن ملفات فساد في وزارة الاتصالات تمّ تحويلها الى الهيئات الرقابية. ودافع يومذاك وزير الإتصالات جمال الجرّاح عن وزارته مشيراً الى أنّ ما ذكره تويني لا يتعدّى البطولات الوهمية والاعتداء على كرامات الناس، إذ ليس من ملفات في وزارة الإتصالات أحيلت الى القضاء. ثم عاد تويني فأوضح أنّه من الملفات التي أُحيلت الى النيابة العامة أوجيرو وكازينو لبنان، وذلك لتبيان الحقيقة بعد المعلومات التي وردت الى الوزارة.

كما تعرّض الوزير تويني كذلك الى تقديم دعوى قضائية ضدّه أمام النيابة العامّة المالية من قبل الفريق القانوني في تحالف «متّحدون»، وذلك بجرم هدر وتبديد أموال عامّة وصرف النفوذ وإساءة استعمال السلطة، والإخلال بالواجبات الوظيفية، سيما أنّ الوزارة استحصلت على ميزانية مالية، فيما لم يقم الوزير تويني بأي إجراء فعلي لمكافحة الفساد وإحقاق الحقّ ومحاسبة المرتكبين، وإحالتهم أمام المراجع القضائية المختصّة، وإعادة الأموال العامة التي تمّ هدرها الى صندوق خزينة الدولة سيما أنّه لم يكشف فعلياً عن أي محاسبة عن أي ملف من ملفات الفساد منذ تولّيه الوزارة. أمّا تويني فكانت حجّته، وجود عجز مالي، وعدم وجود آليات مناسبة لمكافحة الفساد، فضلاً عن أنّ مثل هذا العمل لا يتمّ من دون فريق عمل ومن دون أي صلاحية، إذ لا وجود لملاك في وزارته، وهي مؤلّفة منه شخصياً ومن مستشاره فقط.

ومثل هذه السجالات التي لم تخدم الدولة في شيء، ولم تؤدّ الى فضح أي عملية الفساد، أو ردّ الأموال المنهوبة اليها، جعل الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري، والرئيس عون يتخلّيان عن هذه الوزارة في الحكومة الحالية، على ما أوضحت المصادر نفسها، من دون أن يعني ذلك أنّ مسألة «مكافحة الفساد» سوف توضع في الأدراج. كما أصرّا في البيان الوزاري على ضرورة منح نائب رئيس الحكومة ووزارات الدولة السبع الإمكانات للقيام بواجباتها ومهامها، لكي لا تتعرّض للانتقادات بأنّها وزارات فاشلة كونها لم تقم بأي أمر مفيد للدولة.

وتقول المصادر انّ إلغاء وزارة مكافحة الفساد، يعني أنّ حكومة «الى العمل» قد قرّرت مكافحة الفساد من تلقاء نفسها. وبناء عليه، يتوجّب على كلّ وزير أن يقوم بكشف الفساد الذي استشرى في وزارته في الفترة السابقة، شرط ألاّ يتمّ فعل ذلك وفق مبدأ الخلافات والنكايات القائمة، بين فريق وآخر، وذلك بهدف وقف الهدر والسعي الى تحسين الأمور بكلفة أقلّ لا تُحمّل خزينة الدولة أعباء إضافية. وثمّة تساؤل هنا عن الوزير الذي بقي في وزارته خلال الحكومة الجديدة، فهل بإمكانه فضح نفسه، وكشف عمليات الهدر الحاصلة في وزارته؟!

كذلك فإنّ هذا الأمر يُصبح أصعب إذا ما تم تحديد هوية المذنبين وظهر أنّ المرتكبين هم الوزراء أو النوّاب أنفسهم، على حدّ قول المصادر، سيما أنّهم يتمتّعون بالحصانة الديبلوماسية التي تحول دون ملاحقتهم قضائياً. لهذا فإنّ الحلّ يكمن في تكاتف الحكومة والبرلمان والشعب من أجل كشف كلّ عملية فساد أو تهرّب ضريبي تحصل في البلد وتسيء الى أهله. كما يتوجّب على المجلس النيابي إصدار القوانين الأربعة التابعة لقانون الحقّ في الوصول الى المعلومات، وهي قانون الإثراء غير المشروع، وحماية كاشفي الفساد، وقانون الآلية الموحّدة للمناقصات والصفقات، والهيئة العليا لمكافحة الفساد، وذلك بهدف المساعدة أكثر في الكشف عن مكامن الفساد في جميع المؤسسات العامة.

فوعي المواطنين، وسعيهم لفضح عمليات الفساد، فضلاً عن التشريع، وبعدها إيلاء المسائل الى حكومة «الى العمل» التي تريد أن تعمل بشكل جدّي وفعلي لتحسين وضع الشعب والبلد، يُمكن وقف بعض عمليات الهدر أو الصفقات قبل حصولها، وإن لم يكن في البلاد حكومة خاصّة بمكافحة الفساد. المهم، على ما أشارت المصادر، هو أن يشعر كلّ مواطن أنّه «خفير» وأمين على أموال الدولة، كما على لأموال التي يدفعها هو لها.

ولعلّ الحركات الشعبية تُساهم بشكل كبير في مثل هذا الأمر، شرط ألاّ تكون مسيّسة وتابعة لفريق ضدّ الآخر، إذ لا بدّ من حركة وطنية فعلية تضع مصلحة الوطن والمواطن بالدرجة الأولى، وليس مصلحة هذا الحزب أو ذاك، أو هذا الفريق أو ذاك. فدخول السياسية في ملف الفساد، يجعله يفسد هو نفسه، ولا يؤدّي النتائج المرجوة من مسألة مكافحة الفساد التي ينوي الرؤساء الثلاثة وضعها على السكّة الصحيحة.

فالفساد يجعل أموال الدولة تُهدر بشكل كبير من دون جني أي مردود، فيما المطلوب لإنقاذ البلد هو عكس ذلك تماماً. فالمشاريع الاستثمارية والنهوض الإقتصادي وتحقيق الإصلاحات والنمو وفق توصيات مؤتمر «سيدر» لدعم لبنان هي التي تجعل البلد ينهض من الوضع السيىء الذي يمرّ به على مختلف المستويات. لهذا لا بدّ أولاً من تحقيق الإصلاحات المطلوبة، بما فيها محاربة الفساد ووقف الهدر، ومن ثمّ السعي الى تطوير الأمور نحو النمو والإزدهار.