ايمن عبدالله

أصبح رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط خبيرا بجذب الدعم والوقوف على خاطره، يرفع سقف المواجهة لإظهار هواجسه ويجعل من «الحبة، قبّة» كما يقول المثل الشعبي، فيشد عصب الدروز من جهة، ويعود الى الواجهة السياسية من جهة اخرى. هكذا فعل منذ أيام يوم شعر بالوحدة «الحكومية» وبـ «الاستفراد» به، فقرر فتح الحرب على رئيس الحكومة سعد الحريري.

كثيرة هي الأسباب التي جعلت وليد جنبلاط مأزوما، أبرزها ضعف دوره السياسي الذي كان يشكل «قوة» راجحة لكفة ميزان على الاخرى، وكانت الغلبة داخل مجلس النواب أو مجلس الوزراء كيفما مال تميل، فأصبح اليوم بلا حول ولا قوة، يتأرجح بين تحالفه مع حزب الله داخليا ومعارضته له خارجيا، وتمسكه بتحالفه مع تيار المستقبل، والعتب عليه بنفس الوقت بسبب تحالفه مع التيار الوطني الحر، وأخيرا جاءته صدمة حصول رئيس الحزب الديمقراطي على وزيرين بدل الوزير، وهو الذي كان يعارض حصول المير على وزير واحد حتى.

لم تكن أسباب انفجار «البيك» مجهولة، ولكن أسباب الهدوء و«الصلحة» شكلت لغزا للمتابعين الذين كانوا أمام غليان اشتراكي في التصريحات والبيانات والأفعال، ما لبث أن تحوّل الى «غزل» اشتراكي، بكل من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية. وفي هذا الإطار تكشف مصادر مطّلعة أن «الصلحة» كانت على مرحلتين، الاولى قادها رئيس المجلس النيابي نبيه بري وأدت الى وقف السجالات العلنية والاتفاق على الجلوس على طاولة مشتركة لبحث نقاط الخلاف بشكل هادىء، والثانية قادتها المملكة العربية السعودية وادت لانقلاب الموقف الاشتراكي بشكل كامل، ونسيان مرحلة الخلاف.

وفي التفاصيل التي تكشفها مصادر مطلعة، ان وزير الصناعة وائل أبو فاعور زار السعودية لإقناعها بأن اتفاق الطائف الذي قامت هي برعايته يتعرض لخطر الانهيار، وبالتالي يجب الضغط لإزالة الخطر، ولكن لم تكن المملكة تريد الاستماع بقدر ما كانت تريد إزالة أي عائق أمام انطلاق الحريري بحكومته عبر دعم الحلفاء القدامى له لعدم دفعه أكثر باتجاه التحالف مع رئيس الجمهورية.

يعلم السعوديون أن التحالفات في الحكومة الحالية دقيقة للغاية، وأن أي خلل بالعلاقة بين تيار المستقبل وأي مكون سياسي من المكونات الحليفة للسعودية ستجعل رئيس الحكومة يقترب أكثر باتجاه التحالف الآخر الذي يمثله رئيس الجمهورية ووزير الخارجية جبران باسيل المتحالفين مع حزب الله، لذلك عندما التقى وائل أبو فاعور بحسب المصادر، مستشار ولي العهد السعودي نزار العلولا، سمع كلاما واضحا بأن المطلوب اليوم وقف أي سجال مع الحريري والانتقال من المرحلة التي سبقت تأليف الحكومة الى المرحلة التي ستلي بدء الحكومة عملها، مشددا أمامه على أن المطلوب إعادة التقارب بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية وتيار المستقبل، الامر الذي سيعطي هذا الفريق مجتمعا قوة الثلث المعطل، لتُضاف الى القوة الدستورية التي يمتلكها رئيس الحكومة.

لن يكون التعاطي الدولي مع لبنان في فترة ما بعد تشكيل الحكومة كما في الفترة قبله، لان محاولات إلغاء مفاعيل الانتخابات النيابية فشلت، وأصبحت الأحجام داخل الحكومة واضحة، لذلك تحاول السعودية إعادة إحياء التحالفات القديمة، الأمر الذي لن يكون مهمة سهلة على الإطلاق، كون ما يربط الحريري بباسيل ليس مجرد مشاركة فكرية، بل مشاريع سياسية على علاقة بشكل الحكم مستقبلا، واقتصادية تتعلق بمؤتمر سيدر والمشاريع التي ترافقه، كما أن المهمة لن تكون سهلة على السعودية بما يخص وليد جنبلاط، الذي يعلم أنه بمرحلة قريبة عليه أن يطرق باب الفريق الشيعي لضمان دخوله مجددا الى سوريا، لان مستقبل المنطقة أصبح واضح المعالم.

بالوقت الذي تحاول فيه السعودية جمع فريقها القديم في لبنان، تأتي زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى بيروت ليكون أول المهنئين في تشكيل الحكومة، الأمر الذي يحمل دلالات واسعة بطبيعة الحال. لبنان دخل مرحلة جديدة، تعد بالكثير من المفاجآت.