رغم الظروف الاجتماعية المزرية التي تكاد تخنق معظم العائلات الطرابلسية شكل موت جورج زريق فاجعة في كافة الأوساط اللبنانية عامة والشمالية خاصة لا سيما ان هذه القضية تحاكي كل عائلة تحمل نفس أوجاع زريق التي دفعت به للتضحية بروحه عبر احراق نفسه.

صحيح ان زريق فارق الحياة لكن روحه تطوف في كل حي وشارع وزقاق لبناني حيث يخلد الفقراء الى النوم وفي جعبتهم هموم أقلقت راحة أطفالهم نتيجة الضغوطات النفسية التي يشكو منها رب العائلة الامر الذي انعكس بشكل مباشر على نفسية أطفال اجيال المستقبل.

يدرك معظم المتابعين ان الضغوطات المالية التي دفعت زريق الى الانتحار لم تحرك مشاعر أيا من المسؤولين السياسيين، الامر الذي دفع صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الى اعتبار ما جرى مع زريق جريمة في اعناق كل مسؤول سياسي في ظل الأزمة المعيشية التي تستمر في التفاقم مع هواجس أقلقت المواطنين من إظهار حالة اللامسؤولية واللانسانية مع عائلة زريق في وقت شكلت فيه علامات استفهام حول هذا الاستخفاف من الطبقة الحاكمة باعتبار ان لبنان يعاني من أزمة وطن ربما تؤدي في الأيام المقبلة الى هجرة المزيد من العائلات والشبان والشابات بحثا عن وطن جديد في ظل ما يتردد عن اجراءات جديدة تمنع التوظيف خلال العام الحالي الامر الذي سيؤدي الى رفع منسوب هجرة الشباب الى دنيا الاغتراب لتأمين لقمة عيش كريم باتت مفتقدة في الوطن.

ويحمل الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي ايضا مسؤولية ما جرى مع زريق الى رجال الدين الذين قرروا الاعتكاف مع الدولة في الغياب عن دورهم المسؤول في تقديم الإعانات والمساعدات وكأن صراخ الأوجاع تحول الى معزوفة روتينية مل الجميع من سماعها.

وحول ما جرى علقت أوساط شمالية ان الأزمة الاجتماعية الى مزيد من التفاقم في حال لم تسارع الطبقة الحاكمة الى ايجاد الحلول في ازالة هذه الغمامة عن صدور المواطنين. واعتبرت ان هناك مشاورات تجري حول وضع آلية جديدة لايصال صرخة المواطنين بعد فشل التظاهرات التي جابت شوارع بيروت وطرابلس أسبوعيا واكدت ان اي حراك شعبي في الأيام المقبلة يتطلب تكثيف الدعوات الشعبية لإظهار اوسع مشاركة في الاعتصامات المطلبية المحقة.

ولفتت هذه الأوساط ان قضية زريق تشهد حالة غير مسبوقة من التعاطف الشعبي في ظل استمرار التهميش الرسمي من قبل كافة الإدارات واكدت ان حالة من الاستياء يرتفع منسوبها حول الوعود التي أطلقها الرئيس ميشال عون بمواجهة الفساد ومحاكمة الفاسدين لكن يبدو ان هذه المقولة يجري تطبيقها على الطبقة المسحوقة من الشعب بدليل تراجع دور المؤسسات التعليمية الرسمية على مساحة الوطن واصبحت المدرسة الحكومية مجرد ملجأ لكل عائلة تعجز عن دفع الاقساط المدرسية في المدارس الخاصة، وبات نقل الاولاد والبنات الى المدارس الحكومية كأنه انتقال الى الحضيض نتيجة السمعة السيئة لها لاعتقاد ان المستوى فيها تدنى لافتقادها الى الرعاية الجدية من وزارة التربية، وما آل اليه الوضع وحدها الطبقة السياسية تتحمل عواقبه لانها غضت نظرها عن المستوى المستمر في التراجع في هذه المدارس ولم تسع اقله في تحسين مستوى التعليم فيها.

واكدت الاوساط ان أقل ما كان يمكن ان تقوم به هذه الطبقة هو محاسبة كل مرب ومربية في المدارس الرسمية اطفالهم يتلقون التعليم في المدارس الخاصة واعتبار هذا دليلاً على مستوى انحدار التعليم واختيار مجموعة مربين ومربيات نخبويين تعتبر المدارس الرسمية حاضنة لتعليم اولادهم وليس العكس.

ويوم امس تحول تشييع الشهيد جورج زريق في مسقط رأسه بلدة راسمسقا - الكورة الى مشهد مليء بالغليان والاستنكار والغضب الشعبي العارم حيث شاركت حشود شعببة من كل المناطق الشمالية سارعوا الى اعلان التضامن والاستنكار والغضب والتمرد على الطبقة السياسية اللبنانية التي وقفت امام المشهد الماساوي موقف المتفرج العاجز فيما حركت القضية المشاعر الانسانية لدى نائب في البرلمان الكويتي يدعى خلف دميثير العنازي الذي اعلن عن تقديم مساعدة سريعة لعائلة الشهيد قيمتها عشرة الاف دولار وراتب شهري دائم لها الامر الذي شكل صفعة لكل النواب اللبنانيين لا سيما نواب الشمال الذين لم يحركوا ساكنا باستثناء النائب عبد الرحيم مراد الذي اعلن عن كفالة اولاد الشهيد بتأمين تعليمهم الجامعي على نفقته.

تعتبر الاوساط الشمالية ان القضية ليست حصرا بالشهيد جورج زريق فهناك المئات من امثال زريق وفي كل يوم تطفو على السطح قضية جديدة كما لا يزال فادي ابراهيم رعد يعتصم في ساحة النور في خيمة نصبها مضربا عن الطعام منذ عشرة ايام وقد خيط فمه استنكارا للاوضاع الاجتماعية وللفقر الذي يعيشه هو والمئات بل والالوف من امثاله دون أن يلقى اي اهتمام وقد يلقى نفس مصير زريق في اي لحظة في ظل لامبالاة وتجاهل النواب والوزراء والسياسيين كافة الذين اصموا آذانهم عن سماع الشكوى وأنات الفقراء والمحتاجين والعاطلين عن العمل فهل تنتظر الطبقة السياسية أن يقدم فادي رعد على احراق نفسه كي يسارع النواب الى اطلاق التصريحات المبتذلة؟ حسب رأي الاوساط الشعبية الطرابلسية.