مات جورج زريق شهيداً للاقساط المدرسية التي لم يستطع دفعها فلا الحياة رحمته ولا المدرسة المفترض بها ان تكون عنوان عملها الرحمة احتملت فقره وعوزه، وبالرغم من تجاهل الطبقة السياسية والوزراء والنواب لهذه المأساة الاولى من نوعها في لبنان حيث لم يكلف احد منهم زيارته او الوقوف على وضعيته العائلية، وبالتالي فان رحيل جورج حسب مصادر لجان الاهالي المدرسية لن يكون الاخير بل سيلحق به اكثر من جورج وحسن وحسين آخرين فالأزمة ليست لها طائفة او مذهب والافواه هي الوحيدة الموحدة على موقف واحد في هذا البلد، وتقول هذه المصادر بألم وحسرة : لا أحد يعرف دور من غداً او بعد غد فالانهيار تام لدى الناس بعيداً عن بحبوحة الطبقة السياسية التي امعنت في البلاد فساداً واستهتاراً، منذ اكثر من ثلاثين عاماً وما عالجت موضوعاً واحداً وكلما حصلت جريمة تُطوى بجريمة أخرى متسائلة وفق مبدأ المساواة بين الجميع: ماذا لو وجدت نفسك مرمياً على قارعة الطريق يكتويك الذل ويعصر قلبك ألماً على أولادك بفعل هذا النهش المتواصل في اجساد اللبنانيين، لكن هذه المصادر التي من المنتظر ان تتحرك مع مطلع الاسبوع بواسطة التظاهرات والتحركات المطلبية تتطلب من الجسم المدرسي على وجه الخصوص تقوية الايمان والعزيمة والصبر استعداداً للمواجهة بكل ما هو موجود من قوة، وما حصل في الكورة في اطار تداعيات مدرسة مسيحية خاصة لا يترك مجالاً للتنظير بعد اليوم او رمي التهم جزافاً وهذا مما حذرت منه «الديار» منذ اكثر من عشرة اشهر ومع بدء تطبيق سلسلة الرتب والرواتب على مدى مقالات عديدة موجهة للمسؤولين للحيلولة دون الوقوع في هذه الظلمة، وما تحذر منه مصادر لجان الاهل في المدارس وغيرها من القطاعات والشركات التي تطرد موظفيها سوف تكون له تداعيات على الارض وخصوصاً ان كافة القطاعات المنتجة سوف تشهد حالات مماثلة ان لم تكن هناك ملاحقة سريعة وعاجلة للوضع الاقتصادي وغياب فرص العمل بشكل تام وانهيار القيمة الشرائية لليرة اللبنانية تضاف اليها لقمة العيش التي يأخذها النازحون من امام اللبنانيين بطريقة او اخرى، وهنا تقع المعضلة الاساسية اذ انه في خضم الحروب وارتفاع الدولار الى ثلاثة الاف ليرة لبنانية لم ينهَر الشعب اللبناني وبقي لديه خط معين للعيش بكرامته، وتوجه هذه المصادر نقداً لاذعاً للطبقة السياسية الحاكمة بفعل الهوة التي تفصلها عن شعبها والتي تقبض رواتبها من جيوب الناس وبالرغم من ذلك فان هذه الطبقة السياسية حرمت الناس حتى مجرد صفات الامل والاحلامم خصوصاً ان الجميع يريد ان يهاجر ابتداء من الطبيب الى المهندس وصولاً الى اصحاب الشهادات الجامعية وكل هذا بسبب غياب اي خطة في عقول المسؤولين وكأنهم يريدون ان يحكموا البلاد وشعبها يعيش خارجها.

ولا شك تقول هذه المصادر وفق متابعتها للمعاهد والمدارس الخاصة انه يكفي ان يلقي الانسان نظرة سريعة على سلسلة المباني الجديدة التي يتم انشاؤها سنوياً سبيلاً لمعرفة الارباح الهائلة التي تصل الى جيوبهم بفعل الاقساط الملتهبة التي حرقت قلوب الناس مع العلم ان معظم المدارس الخاصة المسيحية والاسلامية يستحسن لها اصحابها اسماء قديسين وأئمة ليعطوها صبغة الايمان وليحرقوا بالتالي ما تبقى من قيمة للمدارس الرسمية بعدمها نهشتها المحسوبيات ومعادلة الستة والستة مكرر حتى اصبح واقع حال هذه المدارس في حالة الوصف المعيب لدى البعض من الاهالي الذين يسجلون اولادهم فيها، وبدل ان يعمد احد النواب او الوزراء الى المبادرة من لبنان لمساعدة هذه العائلة جاء نائب من مجلس الامة الكويتي وعرض مبلغاً كبيراً من المال وراتباً شهرياً لعائلة الشهيد جورج زريق؟! طبعاً ان الناس يعيشون في واد واهل الطبقة السياسية في واد آخر بحيث لا يمكنهم الاحساس بوجع المواطن، ولو كانت قضية احراق جورج لنفسه وقعت في بلد آخر لكانت الثورة قد قامت وتونس خير دليل على ذلك.