نبيه البرجي

خذوا الحكمة من فم دونالد ترامب «لن نتورط في حروب لا نهاية لها». خذوا من فمه أيضاً «دعوهم يتخبطون في أزمات لا نهاية لها»!

الولايات المتحدة هي التي احترفت صناعة الحروب التي لا نهاية لها، الأزمات التي لا نهاية لها. الآن، وقد تغيرت أشياء كثيرة في الشرق الأوسط (وفي العالم)، لا حروب بل أزمات تتيح للأصابع الأميركية اللعب بالحكومات، وبالثروات، وبالمجتمعات التي يفترض أن تبقى على مسافة ضوئية من لعبة القرن.

لا أحد ينفي ديناميكية الهاجس الجيوسياسي لدى آيات الله. التقاطع العاصف بين التاريخ والايديولوجيا. من زمان، شعر الأكاسرة، وغيرهم وغيرهم أن البقاء على تلك الهضاب الآسيوية لا يأتي الا بالملل، وحتى بالتحلل. الاتجاه كان، دوماً، نحو ضفاف المتوسط.

ومن قوروش الى هولاكو وتيمورلنك وسلاطين بني عثمان، دون أن ننسى الانكشارية، والمماليك، والأتابكة والبرامكة.

الايرانيون بات لهم وجودهم الفاعل على الساحة الشرق أوسطية. هذه حقيقة لا تقبل الجدل. دور محوري في ادارة الرياح. هم من الحنكة بحيث عرفوا كيف يدخلون من الخاصرة. لا الخاصرة الرخوة، بل الخاصرة التي تتقاطع فيها نيران كثيرة، وصراعات كثيرة. الخاصرة الفلسطينية. هم هناك، ربما كانوا الأقوى هناك.

أقل تهوراً، وأقل غطرسة، بكثير، من رجب طيب اردوغان الذي طالما قلنا انه يحاول أن يرقص بين الخطوط الحمراء كما لو أنه يرقص بين خيوط العنكبوت. ها هو على المسرح، يلعب أوراقه الأخيرة و... يترنح.

الايرانيون يدركون مدى حساسية المصالح الأميركية في المنطقة. لا شك أنهم في بداية الثورة، وصولاً الى عهد محمود أحمدي نجاد، كانوا يراهنون على زعزعة الوجود الأميركي. الآن ـ في اعتقادنا ـ انتهوا الى هذه المعادلة. أبعد من توازن الرعب مع اسرائيل، توازن الرعب مع... أميركا!!

منذ التسعينات، قال لنا الكاتب السياسي الفرنسي الشهير أندريه فونتين ان الايرانيين يبنون دولة. العرب بقوا، ويبقون، كثباناً من الرمل (كثباناً من البشر ان شئتم)، وتذروها الرياح.

ما أورده السيد حسن نصرالله، في كلمة الأربعاء، قرأناه في تقارير دولية متلاحقة حول ما حققه الايرانيون على امتداد العقود الثلاثة المنصرمة.

أكثر من تقرير تحدث عن «اللوثة التكنولوجية» في العقل الايراني. التكنولوجيا العسكرية بوجه خاص. ما فعلوه في هذا المجال يكاد يلامس الخيال.

هنا السؤال الكبير: لماذا لا تحاول دول المنطقة أن تحل أزماتها (وصراعاتها)، وقد بات معلوماً أن ثمة من تولى برمجة هذه الأزمات (وهذه الصراعات) لكي تستنزف، على نحو منهجي، كل ثروات، وكل أرصدة، المنطقة.

دعونا نصغي الى وزير خارجية خليجي سابق عرف كيف يمزج بين البراغماتية والرؤية البعيدة المدى للمسار الذي تأخذه التطورات. اذ رأى في المحادثات المتعلقة باقفال الجانب الدموي من المشكلة اليمنية «خطوة فذة في الاتجاه الصحيح»، اعتبر أن مصافحة بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس حسن روحاني يمكن أن تكون البداية لوضع حد لآلام المنطقة، وللمفاعيل الكارثية لمؤتمر وارسو على العرب بوجه خاص.

في نظره، أن الايرانيين تغيروا كثيراً. تخلوا عن فلسفتهم القديمة و«الصاخبة» بتصدير الثورة. باتوا على يقين بأن البديل عن النظام السعودي نظام يقوده رجل معتوه على شاكلة جهيمان العتيبي الذي اقتحم الحرم المكي في عام 1979 على أنه المهدي المنتظر؟

أكثر من مرة مدّوا اليد الى البلاط السعودي الذي بات مقتنعاً، حتى قبل قضية مصرع جمال خاشقجي، بأن «الخطر العثماني» على المملكة، وعلى سياساتها الاقليمية، اشد هولاً من «الخطر الفارسي».

الوزير الخليجي يستغرب كيف ان ولي العهد السعودي «غامر»، داخل مجتمع ترعرع لعقود طويلة على ثقافة الانغلاق، في الانفتاح على جون ترافولتا وماريا كاري، ولا يزال يتمنع عن الانفتاح على آية الله خامنئي وحسن روحاني.

رأى أن دونالد ترامب «فتح عيوننا على اشياء كثيرة». البيت الأبيض لا يعنيه، قطعاً، بناء دولة عربية قادرة على الدخول في «الزمن الصناعي والتكنولوجي». خلاف ذلك من مصلحته الابقاء على البنى السياسية، والاقتصادية، الهشة، ليتمكن من ادارتها. على غرار الولاة العثمانيين، هناك وال أميركي هو قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط.

لا الأميركيون يريدون الحرب، ولا الاسرئيليون يستطيعون الحرب. صفقة القرن ابتعدت عن الضوء، تماماً كما ابتعد جاريد كوشنر وزوجته ايفانكا عن الضوء.

الوزير الخليجي يسأل «في هذه الحال، ألا يفترض أن نكون أمام رؤية مختلفة، وأمام سياسات مختلفة؟» أي حرب تعني الفوضى الميتولوجية (فوضى نهاية العالم) التي لا مجال لأي قوة السيطرة عليها.

في رأيه أن الأمير محمد بن سلمان الذي تمكن من الانقلاب على النظام القديم في المملكة، ان بازاحة كل مراكز القوى التقليدية أو بادارتها من الأعلى، وكذلك من تقليص دور (وفاعلية) المؤسسة الدينية، هو وحده، ومن خلال مد اليد الى الضفة الأخرى للخليج، يستطيع أن يضع الشرق الأوسط على مفترق آخر.

لكن من لا يدري أن المطرقة الأميركية وراء الباب. لا مجال لأن يحيد قيد انملة. حدقوا، مليّاً، في الأشباح التي في جدران قصر اليمامة!!