نبيه البرجي

غداة انتخابه، كتبت «لا تدع الله يستريح...»!

لا نتصور أن الحبر الأعظم لم يشاهد فيلم بابلو بازوليني «الانجيل بحسب متى». المسيح العاري القدمين، الثائر، العاصف، الذي قال «أنا الهيكل». ولتسقط الأزمنة القاتلة، الوثنيات القاتلة، الطقوس القاتلة...

ماذا بقي من الديانات الكبرى سوى الأزمنة القاتلة، الوثنيات القاتلة، الطقوس القاتلة؟

البابا فرنسيس على أرض الجزيرة العربية. قداس تحت الشمس. مسلمون، مسيحيون، بوذيون، هندوس. السيخ واللادينيون أيضاً. كلهم يبحثون عن مكان للروح في هذا الزمن الذي يطأ، بحذائه الثقيل، الكائن البشري. الروح البشرية.

قداس ضد ثقافة الحطام. كلهم ضد البربرية. شيخ الأزهر الذي نتمنى أن يعيد الى هذه المؤسسة بهاءها، ودورها، وقّع مع أسقف روما وثيقة «الأخوة الانسانية».

يا صاحب القداسة. هذا زمن لا يتسع للقديس فرنسيس الأسيزي الذي تمثّلت اسمه، وتمثّلت فلسفته. هو من قال «أضع الحب حيث الكراهية، وأضع المغفرة حيث الاساءة، وأضع الايمان حيث الشك».

البابا في أرض الجزيرة ليدعو الى حوار القلب. هذا، تحديداً، ما دعا اليه القديس فرنسيس حين كان في طريقه الى الديار المقدسة، وعرّج على مصر ليلتقي السلطان الملك الكامل، الشقيق الأكبر لصلاح الدين الأيوبي.

الأمبراطويات العظمى، ومنذ زوال السلطنة العثمانية، هي أمبراطوريات مسيحية. حرب عالمية هائلة بين الأمبراطوريات اياها. قنبلة هيروشيما. سلسلة من الحروب المبرمجة في أرجاء الدنيا. استنزاف كارثي لثروات، ولأزمنة، الأمم.

ماذا استطاع الفاتيكان أن يفعل لوقف الانهيار في التاريخ؟ حين ينهار الانسان ألا ينهار الله؟!

لا منطق هنا سوى منطق القوة. لا أحد ينتظر أن يكترث أي من أباطرة القرن بالوثيقة التي يفترض أن تكون وثيقة القرن.

الكل هللوا، الكرة الأرضية بقيت، يا سيدي، مثخنة بالجراح. كما لو أن العلاقات البشرية ليست بين المقبرة والمقبرة. اله القرن هو الرئيس الأميركي، يحيي من يشاء ويميت من يشاء. أين هو السيد المسيح في رأس دونالد ترامب؟

على بعد خطوات من هنا، ايها الحبر الأعظم، وأيها الامام الأعظم، دخل ترامب الى «أورشليم» على جثث الفلسطينيين (لا تعنينا الحجارة المقدسة والجدران المقدسة). لم يأت ليقول بحق الفلسطينيين بمكان على الأرض، بمكان في الهواء، بل ليقول لليهود: اذهبوا بهم الى جهنم...

أين الأخوة الانسانية بين المسيحي والمسيحي؟ بين المسلم والمسلم ؟ السني ينبش القبور، والشيعي ينبش القبور. من يصرخ في وجه هؤلاء ويسأل... ألم يحن الوقت (أيها المؤمنون) لتوقيع ميثاق النسيان؟

اذهبوا الى النصوص، والى صرخات المنابر، والى مآثر الفقهاء، لتتبينوا أن الديانة الاسلامية تحولت الى ديانتين. ديانة سنّية ولها الهها، ونبيّها، وقرآنها، وديانة شيعية ولها الهها، ونبيّها، وقرآنها.

لا خجل في الكلام العلني عن الصراع السني ـ الشيعي. الصراع سياسي، وجيوسياسي. كما لو ان السعودية، بالنظام التوتاليتاري، تختزل السنّة، وكما لو أن ايران، بالنظام التيوقراطي، تختزل الشيعة...

لا مجال البتة للخروج لا من ثقافة الأقبية، ولا من ثقافة القبور. نبقى، أذاً، بسياساتنا، وبثرواتنا، وبأجيالنا، الدمى في لعبة الأمم. كيف للفتات البشري، الحطام البشري، ألاّ ينتج ذلك النوع من البرابرة ؟

الوثيقة تبقى للتاريخ. لحظة احتفالية هللت لها الصحف والشاشات. يا صاحب القداسة، يا صاحب الفضيلة، ابتعدا قليلاً عن المكان لتريا في أي مستنقعات نحن. عرب ما تحت التاريخ. عرب ما تحت الزمن.

هل المشكلة بين المسيحيين والمسلمين أم بين الأمبراطوريات التي أقفلت أبواب الأرض، واقفلت أبواب السماء؟ بين القبائل التي حيناً تضاجع الرمال، وحيناً تضاجع الدماء ؟

احتفال فذ. ساعات بين يدي البابا أظهرت كم ان القلب البشري قريب من القلب البشري. ولكن، ولكن، ولكن...

أين مكان فرنسيس الأسيزي... أين مكان فرنسيس الأرجنتيني في هذه الأرض التي باتت نسخة معاصرة عن الكوميديا الالهية؟ من أربعة قرون، قال توماس هوبز «الانسان ذئب الانسان». المسيحي ذئب المسيحي. المسلم ذئب المسلم.

أهلاً بقداسة البابا في هذا الشرق الذي عذّب الأنبياء، وعذّبه الأنبياء. حقاً، لماذا بعث الله بكل أنبيائه الى هذه المنطقة ؟ الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير قال «ربما لأن آدم نزل في تلك المنطقة، وخشي الله أن يقود أبناءه عملية لاهوتية لفصل الأرض عن السماء».

أين الأخوة في مجتمعاتنا لكي نتحدث عن «الأخوة الانسانية» ؟ الأزهر، وهو من حذر من فقه البادية، تجد فيه من لا يدينون الا بفقه البادية، بعدما كان أول من أنتج دعاة الحداثة ودعاة الانعتاق. المؤسسة الدينية باتت الذراع الخشبية للمؤسسة السياسية.

المسيحيون في أزمة القيم. المسلمون في أزمة القيم. الباحث المستقبلي الأميركي آلفن توفلر لم يستبعد، أثناء محاضرة في جامعة يال أواخر القرن المنصرم، ان تنظم النازا رحلات الى الجنة أو الى جهنم قبل منتصف القرن الحادي والعشرين.

خلال القداس، كان الحطام يرفع يديه الى السماء. كتبنا للبابا «لا تدع الله يستريح». اليوم السابع طال كثيراً. قل لله اننا بحاجة اليه...