دوللي بشعلاني

بعد تشكيل الحكومة الثانية في عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعنوان «الى العمل»، والأولى الفعلية للعهد، على ما يودّ الرئيس عون تسميتها، ثمّ إقرار بيانها الوزاري الذي جاء نسخة منقّحة عن بيان الحكومة السابقة «حكومة استعادة الثقة»، ظهر واضحاً أنّ لبنان الرسمي قد حافظ على مبدأ «ضرورة الإبتعاد عن الصراعات الخارجية»، مؤكّداً أنّه «في الصراع مع العدو الإسرائيلي فإنّنا لن نألو جُهداً ولن نُوفّر مقاومة في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانية محتلّة وحماية وطننا من عدو لمّا يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعية، وذلك استناداً الى مسؤولية الدولة ودورها في المحافظة على سيادة لبنان واستقلاله ووحدته وسلامة أبنائه (...). مع التأكيد على الحقّ للمواطنين اللبنانيين في المقاومة للإحتلال الإسرائيلي وردّ اعتداءاته واسترجاع الأراضي المحتلّة». ما يعني بأنّه يُفترض على الجيش اللبناني والمقاومة أن يكونا جاهزين في أي وقت كان لمواجهة إسرائيل وردّ اعتداءاتها المستمرّة عليه.

ويُحتّم ذلك بالتالي، على ما ترى أوساط ديبلوماسية في بيروت تزويد الجيش والأجهزة الأمنية كافة بكلّ الأسلحة اللازمة لكي يتمكّنا من الحفاظ على سيادة لبنان وسلامة شعبه إزاء كلّ اعتداءات أو تعدٍّ على أرضه ومياهه وجوّه وحقوق أبنائه. من هنا، فإنّ لبنان سيكون جاهزاً في المرحلة المقبلة الى قبول أي مساعدات عينية للمؤسسة العسكرية من شأنها تطوير قدرات عناصرها وحمايتهم لدى خوض أي معركة أو مواجهة محتملة.

وتقول الاوساط، بأنّ روسيا تبدي استعدادها بشكل دائم لتقديم المساعدات العسكرية للجيش اللبناني من أي نوع كانت، شرط أن تقوم الحكومة اللبنانية بطلبها وبتحديد كلّ ما يحتاج اليه جيشها. علماً أنّ الحكومة تقبل عادة أي مساعدة للجيش من أي دولة في العالم (باستثناء العدو الاسرائيلي) تقيم معها علاقات سياسية وديبلوماسية جيّدة، وذلك بهدف تعزيز قدرات الجيش وتقويته في مكافحة الإرهاب، أو في مواجهة الإعتداءات الإسرائيلية. غير أنّ التجربة الأخيرة التي خاضتها موسكو مع الحكومة السابقة لم تكن مشجّعة، سيما وأنّ لبنان، وبعد أشهر من المماطلة، رفض في تشرين الثاني الماضي هبة عسكرية روسية لأسباب قيل إنّها تقنية، في حين أنّها كانت سياسية بامتياز، خصوصاً وأنّ الأميركيين الذين يُسلّحون الجيش اللبناني باستمرار قد ضغطوا عليه لمنع أي تعاون عسكري مع روسيا. إلاّ أنّ لبنان عاد وقبلها وحوّلها من الجيش الى قوى الأمن الداخلي لكي لا تُفسّرها موسكو على أنّها رفض مطلق من قبل لبنان لمساعدة مجّانية للجيش.

من هنا، فإنّ روسيا المستعدّة لتسليح الجيش اللبناني، لن تقدم على أي خطوة مماثلة قبل الحصول على الطلب والموافقة من قبل الحكومة الجديدة على أي هبة تودّ منحها للجيش، على ما أكّدت الاوساط، وذلك من دون أي شروط، سيما وأنّ لبنان، على ما هو معلوم، لا يرضى بقبول أي مساعدة مشروطة. ولكن في واقع الحال، فإنّ الولايات المتحدة الأميركية تقدّم للجيش اللبناني المساعدات القادرة فقط على مكافحة التنظيمات الإرهابية دون سواها. أمّا فيما يتعلّق بالأسلحة المتطوّرة لمواجهة الإعتداءات الإسرائيلية، فتضع خطّاً أحمر عليها، فلا تقوم بتزويده بها، كما تضغط لدفعه الى عدم قبول أي هبة من دولة أخرى، مثل روسيا وإيران المستعدّتين بشكل دائم، على ما ينقل بعض الديبلوماسيين، الى منح الجيش اللبناني أسلحة متطوّرة جدّاً يستطيع عبرها ردّ أي اعتداءات إرهابية أو أي عدوان إسرائيلي عليه وعلى أراضيه.

ولأنّ الأسلحة الحالية التي يملكها الجيش اللبناني، رغم المساعدات العسكرية السنوية لا تُخيف إسرائيل، فإنّ أسلحة حزب الله تقوم بهذه المهمّة، على ما أشارت الاوساط، إذ أنّها تُرعبها وتجعلها تضع الخطط وتقوم بالإستفزازات وتقدّم الذرائع لدفع المجتمع الدولي لإدانة الحزب، ولنزع سلاحه بالتالي بهدف «حماية أمنها وأمن مستوطناتها». ولهذا تمسّكت الحكومة الجديدة بعبارة «المقاومة في سبيل تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر، وذلك بشتّى الوسائل المشروعة». على أن تتمّ مناقشة الاستراتيجية الدفاعية الوطنية في وقت لاحق على طاولة الحوار، علماً أنّها قد لا تؤدّي حتماً الى دمج سلاح الحزب بسلاح الجيش، على ما يودّ البعض، نظراً لأهمية بقائه في يدّ المقاومة، ولكي لا يسحب لبنان الورقة الرابحة والضاغطة على إسرائيل التي يملكها من خلال ما يملك الحزب من أسلحة إيرانية متطوّرة من صواريخ بعيدة المدى وغيرها، تجعله يتوازن في القوى معها.

وبناء عليه، فإنّه على الحكومة الجديدة أن تُقرّر في جلساتها اللاحقة، بعد نيلها الثقة في مجلس النوّاب، على ما أوضحت الأوساط نفسها، إذا ما كانت تريد فعلاً قبول هبات عسكرية من إيران وروسيا على غرار المساعدات العسكرية التي تحصل عليها من الولايات المتحدة، وذلك من دون أن تتوقّف هذه الأخيرة. فالسياسة المقبلة لها ستكون قبول أي هبة عسكرية غير مشروطة من أي دولة صديقة بهدف تسليح الجيش بأسلحة متطوّرة تجعله قادراً على المحافظة على سيادة لبنان وسلامة أبنائه، خصوصاً وأنّ القدرات والعناصر البشرية متوافرة ولا تنقصه أبداً.

علماً أنّ التهديدات الإسرائيلية المستمرّة للبنان ولـحزب الله فيه بشنّ حرب جديدة عليه، تهدف الى استفزاز الحزب لمعرفة المزيد عن أسلحته التي تعمد الى الإستخفاف بها في بعض الأحيان للدلالة على عدم الخشية منها. لكن إسرائيل، في الواقع، تخشى كثيراً من سلاح الحزب وقدرته على الوصول الى العمق الإسرائيلي. لهذا تطلب من الولايات المتحدة أن تقوم بتزويد الجيش اللبناني بآليات ومعدّات عسكرية وبنادق وذخائر لا تُشكّل خطراً عليها، وتقوم أميركا بتنفيذ طلب حليفتها في المنطقة، وتضغط على حلفائها في الداخل ليرفضوا أي مساعدة عسكرية نوعية من روسيا وإيران.

وذكّرت الاوساط، بأنّ المساعدات العسكرية التي قرّرت السعودية تقديمها للجيش اللبناني في العام 2014 بقيمة ثلاثة مليارات دولار أميركي، على أن تقوم بشراء الأسلحة والذخائر والتجهيزات من فرنسا، ثمّ أبدلت رأيها وحوّلتها الى القوّات السعودية لتستخدمها هي والإمارات في حربهما على اليمن، صبّت في الإطار نفسه. ما يعني أنّها كانت مشروطة، وكانت تريد السعودية من تقديمها للجيش اللبناني «تحييد» إسرائيل، أي عدم استخدامها ضدّها. وكان الرأي صائباً بأن لا يتمّ تزويد الجيش اللبناني بها كونه منتشراً في المنطقة الجنوبية الى جانب المقاومة، وتحت أعين قوّات «اليونيفيل» بهدف حماية أمن بلاده وسلامة أراضيه من أي اعتداء إسرائيلي عليها.