بعد انتظار اللبنانيين تسعة أشهر لولادة الحكومة، وبعد البدء باجتماعات اللجنة الوزارية لوضع البيان الوزاري وبأسرع وقت ممكن، وعلى أمل أن تبدأ هذه الحكومة بإعادة العجلة الاقتصادية والحياتية وضخ جرعة كبيرة من التفاؤل بين المواطنين۔

عادت إلى البلد لغة الطقطقة والهرطقة لتنسف نفحة التفاؤل التي سرت بين الناس لأيام، وذلك عبر التراشق الإعلامي بالاتهامات والاتهامات المضادة، وكأنهم لم يكونوا جميعاً على علم بكل مجريات مرحلة التشكيل على مدى تسعة أشهر، والمخاض الذي عانته هذه الحكومة قبل الولادة من وضع العراقيل والمهاترات والمناكفات السياسية وتوزيع للحصص الطائفية والمذهبية، حتى ظهرت على ما هي عليه الآن وبرضى الجميع۔

بعد كل هذا، وقبيل انطلاقة الحكومة واستلام الوزراء لوزاراتهم، عادت لغة المناكفات والطقطقة على الطناجر والحرتقات والرد بالهرطقات، وكأن المواطن اللبناني لم تكفه حرتقاتهم وهرطقاتهم ودق الطبول على رأسه والرقص "حنجلي" طوال ثلاثين عاماً وأكثر، ومعاناة من هجرة للشباب وتعاظم الطبقة الفقيره، واهتراء البنى التحتية التي تظهر عند أول زخة مطر ويغرق المواطنون في بيوتهم وسياراتهم على الاوتسترادات الرئيسية، وأزمة النفايات التي غمرت البلاد والتي لا حل لها الى الآن، وفاتورة الكهرباء والمياه التي يدفعها المواطن مرتين، وتلوث الأنهار وغلاء المعيشة الفاحش وغلاء الدواء حتى بتنا أغلى بلد في الشرق الأوسط ويمكن في العالم لكلفة الدواء، والفساد المستشري الذي زرعه المسؤولون أنفسهم في المؤسسات الحكومية حتى بات كالطاعون يصعب عليهم معالجته۔

يعلّق اللبنانيون بعض الأمل على هذه الحكومة، وذلك في محاولة لإنقاذ ما بقي من الدولة ومؤسساتها، وفي وجود بعض الوزراء الذين يُأمل منهم خيراً، والأمل أيضاً في الأحد عشر مليار دولار ونصف المليار من "سيدر" التي ستفتح مجالات العمل للشباب والشابات وتعيد بناء البنى التحتية والكهرباء ومعالجة النفايات وغيرها۔

على هؤلاء "الحرتقجية" و"الهرطقجية"، أيا كانوا أن يعلموا أن الشعب اللبناني قد ملّ حقاً من حرتقاتهم وهرطقاتهم وكلامهم التحريضي في العلن لتحصيل بعض المكاسب الخاصة، والتي يدفع ثمنها المواطن من جيبه ومن أولاده، عليهم أن يعلموا أن الشعب اللبناني قد وصل الى مرحلة "القرف" من الجميع، ويريد أن يعيش بأمن اقتصادي واجتماعي وأن يؤمن القوت اليومي لعائلته والمستقبل لأولاده بعد أن وجد أن أولاد الزعماء يعيشون الترف والبذخ ويدفع هو الثمن ليبقى الزعيم ويورث أبناؤه العز والزعامة بينما هو يورث أولاده الفقر والهجرة وضياع العمر في خدمة الزعيم، ليجد نفسه خارج حلبة صراع سياسية كاذبة تنتهي بين الزعيمين المتخاصمين المتنافرين إعلاميا في جلسة خاصة وعلى مائدة غداء أو عشاء وضرب الأقداح وبوسة لحى۔

رئيس الجمهورية۔۔ هناك سهام توجه إلينا

الرئيس العماد ميشال عون، الذي يعتبر أن هذه الحكومة هي حكومة العهد الأولى والتي يعلّق عليه أمل كبير ولا يريدها أن تكون حكومة فاشلة وغير منتجة لأنها ستنعكس على العهد بشكل مباشر، ولهذا فإن الرئيس عون استغرب الانتقادات التي وجّهت الى الحكومة الجديدة قبل أن تبدأ العمل وقال: "الغريب أنه أول ما تجاوزنا الأزمة المالية واستطعنا تأليف الحكومة بات هناك سهام توجّه إلينا" وأكد الرئيس عون أن العمل سيركز على ثلاث نقاط هي الوضع الاقتصادي وقضية النازحين ومحاربة الفساد لأنه المرض الذي يضرب لبنان وبدأنا بمعالجته"۔

رئيس الحكومة۔۔ سأشمّر عن زنودي

رئيس الحكومة سعد الحريري ردّ بشكل قوي وبكلامٍ عالي النبرة واللهجة على من اعتبر أنهم يهاجمون الحكومة قبل انطلاقتها وقال: "سأشمّر عن زنودي وأبدأ العمل ليلاً ونهاراً ومن يقف في وجهي ويعثّر عملية الإنتاج عليه أن يتنحّى وسأكمل ولو اصطدمت بأي كان سأعمل للمواطن اللبناني ولمصلحته"۔ اللبنانيون سمعوا من قبل هذا النوع من الكلام والحماسة، ولكن لم يطبّق شيء على أرض الواقع، لا بل كانت النتيجة عكسية ومخيبة للآمال، ولهذا فإن الناس ليست متحمّسة كثيراً لما يقال في الإعلام من مشاحنات، لأنها تعرف أن كل هذا الكلام لا يفيدها ولا ينفعها، ولأن هذه الأمور تحصل عادة في لبنان بين السياسيين ويدفعون هم الثمن۔ الناس تريد الكهرباء والمياه الغير ملوثة وبيئة نظيفة ومراقبة أسعار المواد الغذائية والخضار وعدم الموت أمام أبواب المستشفيات وأن تحصل على الدواء وعدم هجرة أبنائهم بل أن يحصلوا على فرص العمل في وطنهم۔

وقال الرئيس الحريري أن "الزعامة لم تعد تمشي على المواطن اللبناني لأن المواطن سيسير على الجميع إذا لم نعمل وننتج"، إن هذه اللغة واللهجة التي استعملها جديدة لأنه على ما يبدو أن الرئيس سعد الحريري أدرك بعد الانتخابات النيابية الأخيرة أن الناس تقف الى جانب من يقف معها ويشعر بمعاناتها وتحاسب في الصندوق الانتخابي من يخذلها، ولهذا فإن الشعب اللبناني يريد أن يكون رئيس حكومته قوي يأخذ قرارات وطنية ولمصلحة لبنان ودون اعتبارات خارجية، وأن يكون هناك "إبن ست وإبن جارية" والكل تحت سقف القانون أياً تكن طائفته أو مذهبه، على أن يكون المعيار الوحيد هو القانون والوطن والمواطن فقط۔

السيد نصرالله يدعو الى الهدوء

السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله، بدوره دعا الى الهدوء في السجالات الإعلامية وقال: "وجودنا في الحكومة سيكون مؤثراً وأقوى من أي وقت مضى"، ودعا الى الابتعاد عن السجالات الإعلامية والى النقاش والحوار في كل المسائل وليتحمل الجميع مسؤولياته لانه أمام الحكومة استحقاقات كبيرة، وأن أولويات الحكومة هي محاربة الفساد، وبالنسبة لوزارة الصحة التي استلمها حزب الله قال: "ان مال وزارة الصحة هو امانة عند الوزير وان مال الدولة هو للدولة ومال الشعب هو للشعب ولا يجوز شرعا التصرف بأموال الدولة وهو التزام ديني بالنسبة لنا"، وهذا يعني ان محاربة الفساد بالنسبة لحزب الله ستبدأ من الوزارة التي استلمها، واكد ان "هذه الوزارة وكل ما يأتيها من مال ان يكون تحت رقابة الدولة والتفتيش المالي وديوان المحاسبة واقصى شفافية ممكنة"، وقال: "اننا سنساهم في إنجاح مشاريع وزارة الصحة من خلال الأموال التي تأتينا من خلال تبرعات ومساعدات لأن نجاحها يعني نجاحنا" وأضاف ان حزب الله همه في هذه الوزارة أن يسعى في حل ملف الاستشفاء بالمستشفيات الحكومية والخاصة وتخفيض كلفة الدواء وتسهيل وصول الدواء الى الناس۔

في النهاية، على الجميع التوقف عن المناكفات السياسية والخطاب التحريضي، لأن المواطن اللبناني تعب وبات على حافة الهاوية، والفقر دق أبوابه ويبحث عن الحلول وأن تقف الدولة الى جانبه، وبات همه القسط المدرسي والجامعي، والاستشفاء والدواء، وأن يجد شبابه وشاباته فرص العمل في بلدهم، ولم تعد تهمه هرطقاتكم وحرتقاتكم فلتدقوا الطبول وحدكم وطقطقوا على طناجركم أنتم، لأنه لم يعد لدى المواطن حتى الطناجر ليطبخ فيها أكله۔

الناس تريد دولة قوية، تؤمن الكهرباء والماء وتحافظ على صحته وصحة أولاده وأطفاله وتجد له فرص عمل جديدة لأنه في لبنان كل الناس أصبحت تحت خط الفقر وكل الناس أصبحت مديونة للبنوك ولم تعد تستطيع تحمّل المزيد من المناكفات، بل حولوا طاقاتكم للعمل لأن اللبناني الآن سيقف الى جانب من يعمل من أي حزب أو تيار كان، من أي طائفة أو مذهب كان، لان طائفته باتت حياته اليومية ومعيشته التي بات الحصول عليها صعبا وصعبا جدا۔

خليل جابر