الرئيس سعد الحريري، اسم لمع في عالم السياسة وتصدر الصحف والمواقع العربية والعالمية، وذلك بعد استشهاد والده الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي اغتيل في انفجار على الواجهة البحرية للبنان في عام 2005 حيث ورث والده سياسيا وشكل ما يعرف باسم تحالف 14 آذار مع بعض القوى المناوئة له۔ وكان سعد الحريري شكل الحكومة الأولى له في 27 حزيران 2009 حيث كلفه الرئيس ميشال سليمان بتشكيل الحكومة الجديدة الأولى له التي تلت الانتخابات وذلك بعد الاستشارات النيابية وتسميته من قبل 86 نائباً وكانت الانطلاقة الأولى له في رئاسة حكومة لبنان۔

يعتبر الرئيس سعد الحريري أحد أبرز خصوم «حزب الله» والنظام السوري، وكان دخل الانتخابات النيابية في العام 2005 وفاز فيها، وترأس أكبر كتلة برلمانية ضمت 35 نائبا من أصل 128 مقعدا. والرئيس الحريري هو من أبرز المدافعين على الدور السعودي في لبنان، حيث يرى المراقبون أن تأثيره تراجع منذ وفاة العاهل السعودي، الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في كانون الثاني 2015، إذ كانت تربطه علاقة قوية بالحريري الأب، بالإضافة إلى انتقادات وجهت إليه من داخل المجتمع السني في لبنان بسبب غيابه الطويل، وفشله في دعم تماسك المكون السني الذي ينتمي إليه.

وبعد انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان، وتعطل انتخاب رئيس جمهورية لمدة سنتين تقريبا، حصلت صفقة تسوية أدت إلى انتخاب العماد ميشال عون، رئيسا للبنان، في تشرين الاول 2016، كلف الرئيس ميشال عون الرئيس سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة بعد تأييد معظم النواب والكتل البرلمانية نال حينها الحريري 110 صوتاً من نواب البرلمان البالغ عددهم 126 بعد استقالة أحد النواب، وشكّل حكومته الثانية بعد 40 يوما من التكليف۔

وكان الحريري استُدعي على عجل الى الرياض، إذ ألغى كل مواعيده وانتقل فورا في طائرته الخاصة، وفي صباح الرابع من تشرين الثاني 2017، أعلن الحريري استقالته من رئاسة الحكومة من الرياض، قائلا إن حياته في خطر، معربا عن خشيته أن يلقى مصير والده. حيث اعتبر أنه مجبراً على الاستقالة، وحمَّل حزب الله مسؤولية الأزمة السياسية في لبنان.

كل هذا الطرح الذي قدّم نصل في نهايته الى أن الحكومات التي ترأسها الرئيس سعد الحريري لم تكن منتجة، لا بل فاقمت الازمة الاقتصادية والمعيشية والبيئية، ولم تقدم الى المواطنين سوى المزيد من الديون والفقر، إذ أنه على صعيد الكهرباء ما زال لبنان يعاني مشكلة انقطاع الكهرباء وتفاقمها مع دفع المواطنين الفاتورة الكهربائية مرتين وذلك بعد تشريع الدولة لاصحاب المولدات، وأيضا تلوث الأنهار والتي وصلت الى حد لا يحتمل بعد وصول التلوث الى مياه الشفة في بعض المناطق وباتت المزروعات تروى من المياه الملوثة والتي تتسبب بالامراض المختلفة حيث وصلت نسبة الإصابة بالسرطان في لبنان الى أعلى نسبة في منطقة الشرق الاوسط۔

اما على صعيد الاتصالات، فيعتبر لبنان من اغلى الدول في العالم من حيث كلفة الاتصالات والخدمات، كما أن البنى التحتية التي كلفت اكثر من 60 مليون دولار، تبين انها هشّة، حيث غرق المواطنون على الطرقات بسياراتهم ودخلت المياه الآسنة الى البيوت وانخسفت الطرقات وباتت مياه الامطار بدل ان تكون نعمة أصبحت نقمة على لبنان واللبنانيين لانه تبين ان البنى التحتية غير صالحة ولا تستوعب كمية المياه التي هطلت والتي ينتظرها اللبنانيون كل عام۔

كل ذلك حصل، لأنه في لبنان لا تشكل الحكومات الا على أساس طائفي وليس علمي، والبلد مبني على الخلافات الطائفية والمذهبية والسياسية، وهذا ما يسبب بتعطّل كل الحكومات التي يستلمها الرئيس الحريري لان السياسات الحكومية في لبنان تابعة دائما للخارج ولا تلتزم بالاجندة اللبنانية، والكل يعمل حسب سياسته الداخلية والخارجية والاستراتيجية۔


الرئيس عون "بيّ الكل"!

انتظر اللبنانيون وتأملوا خيرا بوصول العمال ميشال عون الى سدة الرئاسة، وذلك بعد الوعود الكثيرة التي سمعوها من تحقيق التوازن في الإدارات ومحاربة الفساد والفاسدين، والوعد بالكهرباء 24/24 خلال سنة تقريبا، وإيجاد فرص العمل للشبان والشابات وطرح مشاريع إنمائية واقتصادية خاصة أن كتاب "الإبراء المستحيل" للعماد عون يسمي الأمور بأسمائها ويطرح فكرة المحاسبة، والذي حمّل الطبقة السياسية السابقة الفساد وإهدار الأموال والديون المتراكمة على البلد والتي وصلت الى حد المئة مليار دولار ديون على لبنان وازدياد معدّل الفقر۔

كانت الصدمة كبيرة للبنانيين بعد سنتين من الحكم، حيث لم يحصل شيء من هذا، وذلك لوجود الكثير من العقبات والعقد الداخلية والخارجية، حيث تبين ان الفاسدين أكبر من الدولة، وكل منهم تحميه طائفته ومذهبه ويتلطى فيها، مع العلم ان الطوائف والمذاهب لا يحصل أبناؤها سوى على الفقر، والفاسد طائفته المال فقط، وبعض مضي سنتين لم يستطع عهد الرئيس العماد ميشال عون الإقلاع بشكل جيد، إذ قال أن فترة حكمه ستبدأ بعد الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة، ولقد حصلت الانتخابات ولكن الحكومة المنتظرة لم تشكّل ومضى على تشكيلها حوالى 9 أشهر ولم يظهر الى الآن الخيط الابيض من الخيط الاسود لكثرة العقبات الداخلية والخارجية والتي اعلن عنها الموفد الاميركي بشكل صريح انه مع حكومة تصريف أعمال، أي أنه أصدر الاوامر بعدم التشكيل حاليا والتأجيل ربما لأجل غير مسمى حتى تنجلي الاوضاع السياسية والعسكرية في سوريا على الأقل وردة فعلها على الداخل اللبناني۔

لهذا، يعتبر الى الآن عهد العماد ميشال عون لم يبدأ بعد، بحسب قوله، ولكن الناس لا تستطيع الانتظار أكثر فمصالحها متوقفة ومعطّلة وتنتظر المجهول، ولا تأبه لمن يحصل على ثلث ضامن او معطّل او على وزير سني معارض للحريري أو على من يحصل على وزارة مهمة او عادية۔

الناس تريد ان تبدأ عجلة تنظيم أمورها وحياتها بشكل سليم، لهذا على "بيّ الكل" أن يكون فعلا "بيّ الكل" ويقول للجميع كفى ويضع الأمور في نصابها الصحيح ويبدأ المحاسبة دون مراعاة للفاسدين ولمن يحميهم، عندها سيكون الشعب، كل الشعب إلى جانب العهد ورئيسه وتكون انطلاقة كبيرة ومدعومة من أهم سلطة في الوطن هي سلطة الشعب۔


تكليف الحريري

بعد الانتخابات النيابية الأخيرة التي حصلت في عهد الرئيس ميشال عون، تمت إعادة تكليف الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة والتي سميت حكومة الوحدة الوطنية، والتي وصلت الى الشهر التاسع ولم يتم التشكيل وذلك لأنه على ما يبدو المطلوب هو التعطيل وعدم التشكيل، البعض يريد الثلث الضامن او المعطل، والبعض الاخر يصر على توزير سني من المعارضة السنية والتي تشكلت ضمن اللقاء التشاوري المدعوم من حزب الله، حيث يرفض الحريري مجرد الاعتراف بهم او حتى اللقاء والاستماع اليهم، كما يحاول الوزير جبران باسيل استغلال الامر لضم هذا الوزير الى كتلة الرئيس عون وعندها يحصل على الثلث الضامن، وهذا ما يتسبب بخلاف كبير۔

إن الحكومات السابقة للرئيس سعد الحريري لم تكن منتجة بشكل فعلي، وقد تسببت بأزمات كبيرة لم تجد حلا لها، إن على الصعيد المعيشي والاقتصادي وغيرها من المشاكل، حتى أنها سميت في بعض الأحيان "حكومات الفشل" والتي قامت من فشل ووقعت في فشل آخر، لعدم أخذها القرارات الصائبة ولفقدانها الجرأة على كف يد الفاسدين ومحاسبتهم۔

اما بعد زيارة الموفد الأميركي هيل، والذي اعلن صراحة ان الولايات المتحدة مع بقاء حكومة تصريف الأعمال الحريرية الحالية، وبقاء الوضع على ما هو عليه، لان الأمور الخارجية لم تنضج بعد ولا يجب إعطاء حزب الله وزارة مهمة او وازنة، وهذا ما يشكل ضغطا كبيرا على الاقتصاد اللبناني وتعطيل كل الأمور الحياتية للمواطنين الذين باتوا ينزلون الى الشارع ويصرخون من الوجع والفقر، ولكن لا حياة لمن تنادي۔ وهذا الأمر كان واضحاً من خلال القمة الاقتصادية الأخيرة التي عقدت في لبنان، والتي كانت غير مجدية ولم تصدر عنها سوى خيبة الأمل والوعود التي لا تطعم ولا تغنى عن جوع والتي لم تناقش الأمور الأساسية في الوطن العربي ولم تتطرق الى الوضع في سوريا وليبيا والعراق وحتى في لبنان ولم تطرح مشكلة النازحين السوريين التي تشكل أزمة أيديولوجية ومعيشية كبرى، وهي أكبر بكثير من قدرة لبنان على أن يتحمل هكذا أزمة دون مساعدة۔

أخيراً، اذا كان الرئيس سعد الحريري يريد ان يقدم حكومة نموذجية ويطرح مشروع اقتصادي وبيئي وصحي، عليه ان يقوم بالتنازل وتشكيل الحكومة سريعا وإثبات انه رجل دولة من الطراز الأول، لا يهمه سوى "البلد" كما يحب التسمية، ويعلن عن مشروع لحل أزمة الكهرباء واستغلال المبلغ المقدم من مؤتمر سيدر والذي هو 11 مليار دولار ونصف "إذا كان لا زال مطروحا ولم يسحب"، والبدء بمعالجة مشكلة البنى التحتية ومد شبكة جسور لتسهيل حركة المواصلات في الداخل وحل مشكلة الازدحام التي يعاني منها المواطنون، وبناء محطات كهرباء جديدة ومعالجة النفايات المنتشرة على مداخل العاصمة من كل الاتجاهات وفي الاودية والقرى، ومعالجة التلوث البيئي من خلال إنشاء معامل فرز للنفايات ومحطات تكرير للمياه الآسنة وإنشاء سدود للاستفادة من مياه الأنهر وري الأراضي والمزروعات۔ عندها فقط يمكنه وضع الجميع امام مسؤولياتهم والقول لهم، نحن جاهزون للبدء ببناء وطن حقيقي، فمن يريد الركب فليأتي ومن لا يريد فليحاسبه الشعب وليبدأ الجميع بإنقاذ المركب الذي تتقاذفه الأمواج يمينا ويساراً ويتم إيصاله إلى بر الأمان، لأنه إن غرق فسيغرق الجميع دون استثناء، عندها لا تنفع لومة لائم ولا ساعة ندم۔