بعد فشل المشروع الأميركي، في العراق وسوريا ولبنان، ومع تعاظم القدرة العسكرية الصاروخية لحزب الله، ومع انتصار سوريا بقيادتها وجيشها ووقوف حلفائها معها من روسيا الى ايران الى حزب الله۔

يبدو ان الولايات المتحدة الأميركية تحاول الالتفاف على فشلها وتعويض ما خسرته بالحرب الهمايونية المدمرة التي فرضتها هي وربيبتها إسرائيل وبمساعدة بعض الدول العربية والخليجية، وذلك عبر ضخ معنويات جديدة في المنطقة وخاصة في لبنان، من خلال ارسال وزير خارجيتها مايك بومبيو الى منطقة الشرق الأوسط وتحريضه ضد ايران ووجودها في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط امتدادا حتى أفغانستان، وضد حزب الله في لبنان الذي كسر هيبة الجيش الإسرائيلي في الحرب الأخيرة على لبنان سنة 2006، وكان انتصاراً مدوياً للمقاومة ضد اكبر قوة في الشرق الاوسط۔

لذا، فإن الإدارة الأميركية أرسلت الى لبنان وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، كي يقوم بالضغط على المسؤولين اللبنانيين للوقوف بوجه حزب الله، وعدم إعطائه وزارة فاعلة في الحكومة المقبلة.

والغريب ان هيل هاجم حزب الله واعتبره "منظمة إرهابية" وذلك عقب لقائه رئيس الوزراء اللبناني المكلف سعد الحريري، ومن بيت الوسط، حيث قال أنه "يرفض أن تقوم ما أسماها مليشيات خارج الدولة بحفر الأنفاق أو بجمع ترسانة من مئات الصواريخ التي تهدد الاستقرار"، ووصف حزب الله بالمنظمة الإرهابية وهو مكون لبناني وشريك بالحكومات السابقة والحالية وله جمهور عريق، وأشار الى أن "نوع الحكومة التي ستؤلف مهم للجميع"، ومع هذا لم يصدر الحريري أي بيان يرفض فيه كلام هيل من "بيت الوسط" لمكوّن لبناني شريك۔

لقد غاب عن الموفد الأميركي هيل أن إسرائيل هي من كانت تعتدي على لبنان وتمارس ما تريده من قتل وتدمير الى اجتياح عام 1982 حيث وصلت الى العاصمة بيروت، وانطلقت المقاومة ضدها حتى التحرير في العام 2000 الهزيمة الكبرى للجيش الإسرائيلي على يد حزب الله والمقاومة في حرب تموز 2006۔ وما وجود هيل في لبنان إلا لاعادة إحياء الأصوات التي كانت تصدح على المنابر ضد حزب الله وسلاحه والمقاومة في لبنان، ولمنع تشكيل الحكومة، وذلك بعدما صرح وبوضوح أنه يشجع على "المضي قدما بحكومة تصريف الأعمال لتجنب الاضرار الاقتصادية ولتعزيز الثقة الدولية بلبنان"، وأكد أن "نوع الحكومة المختارة يهم المجتمع الدولي ونحن نراقبها"، أي بمعنى أنهم يراقبون حزب الله، ولهذا أفضل لاميركا أن تعوّم حكومة تصريف الاعمال، على أن تشكل حكومة جديدة ويكون لحزب الله تأثير فيها، والواضح هو التصويب على حزب الله، ومنع المستثمرين اللبنانيين من المشاركة في إعادة إعمار سوريا۔

ولا يخفى أن الأميركي يأخذ موقعين هي غير اللعبة السياسية، فهو يستعمل قوته وضغطه على المصارف، إذ ان القدرة الأميركية على التأثير وفرض ما يريدون على عدد من قيادات المصارف وارباب العمل، وهذا ما أبلغه هيل الى المسؤولين اللبنانيين بأنهم غير راضين عن دخول حزب الله في الحكومة الحالية وإعطائه وزارة وازنة وأنهم لن يتعاملوا مع أي حكومة يمكن ان يستلمها حزب الله۔

من جهة أخرى، فإنه على ما يبدو أن الموفد الأميركي أوصل رسالة أو إنذاراً الى الدولة اللبنانية عن تحضير لجولة من الحرب الإسرائيلية، يمكن ان تحصل ضد حزب الله والوجود الإيراني في المنطقة وخاصة في سوريا، وأن المنطقة مقبلة على تغييرات جذرية قد تطال لبنان إذا لم يتعاون وأن يحاول الضغط وبكل قوة على حزب الله للخروج من سوريا، بعدما ثبت أن وجوده في الحرب السورية غير كل المعادلات على الأرض واكتسب خبرات كبيرة وواسعة أيضا وحصل على صواريخ وأسلحة متطورة جدا ما يشكل خوفا على اسرائيل۔

يبدو أن هذه التهديدات الجديدة التي حملها هيل جدية، وذلك بعدما طلب الاميركيون من العراق بتوسيع القاعدة الأميركية في كركوك وان يترك له المجال بنقل معداته وقواته الى قاعدة عين الأسد في العراق وطلب من الأردن توسيع قاعدة الزرقاء الأميركية وهذا ما يعتبر تطويقا لسوريا والعراق بقواعد عسكرية لتحمي جنوده۔

ولهذا، فإن البعض في الطبقة السياسية اللبنانية ذاكرتهم كذاكرة السمك، إذ أنهم نسوا أن لبنان ينعم بالامن بفضل إنجازات المقاومة والجيش اللبناني، وبفضل قوة الردع التي فرضتها المقاومة على إسرائيل ولأن إسرائيل باتت تحسب الف حساب قبل ان تقوم بأي عمل ضد لبنان، لذا يجب تذكير هؤلاء الذين ينصاعون للاوامر الأميركية من بعض الطبقة السياسية في الداخل اللبناني، انهم جربوا الأميركي فيما مضى ولم يصلوا الى نتيجة سوى محاولة زرع الفتن والشقاق بين اللبنانيين وهم يعرفون ان الأميركي تركهم عندما وجد أن مصلحته لم تعد معهم والان يحاول من جديد بعد فشل مشروعه في المنطقة، لذا عليهم أن يعرفوا أنه مهما تواطؤوا أو انجروا الى المشروع الأميركي، فإن أعمالهم لن ترعب المقاومة او تردعها عن مقاومة المشروع الأميركي – الإسرائيلي في لبنان والمنطقة وسيخسرون رهانهم من جديد۔ كما أنه عليهم ان يعرفوا ان المشروع الأميركي – الإسرائيلي في المنطقة انتهى، واللعبة الصهيونية فشلت أيضا ولم تنجح في السابق ولن تنجح الآن، وكل التهديدات الإسرائيلية لم ولن تخيفنا۔ لأن المقاومة باتت أقوى من السابق بقوتها العسكرية والصاروخية والقتالية وفي كل الميادين، خاصة بعد مشاركتها في الحرب الهمجية على سوريا والتي كسب رجالها في هذه الحرب خبرة قتالية واسعة وكبيرة۔

لبنان بات قوياً ومحصناً بقوة مقاومته وجيشه وشعبه، والمشروع الأميركي في المنطقة فشل، وانتصر المشروع الممانع الممتد من إيران الى العراق الى سوريا الى حزب الله في لبنان، وان أي حرب جديدة مع العدو الإسرائيلي، ستسقط على المدن الإسرائيلية مئات لا بل آلاف الصواريخ التي ترعب إسرائيل، ولتأتي اميركا وكل من معها، فنحن بانتظارها، لأننا عندها سنقاتل الأصيل بدل الكفيل۔

وعلى الصعيد الداخلي اللبناني، لتتألف حكومة الوحدة الوطنية وبمشاركة كل الفعاليات والأحزاب ولنقل للاميركي وغيره أن قوة لبنان بمقاومته وجيشه وليس بضعفه، لأن مقولة الضعف مُسحت من قاموسنا بفضل انتصارنا على أعتى مشروع مدمّر للبنان والمنطقة، ولهذا علينا أن نكون صفا واحدا ونقف بوجه الغطرسة الأميركية – الإسرائيلية، ولنحافظ على السلاح الذي يردع العدو الإسرائيلي ونجد له صيغة ما داخل البيت اللبناني يكون الضمانة لحماية لبنان من أي عدوان تحت راية الدولة اللبنانية القوية، تجمع ما بين المقاومة والجيش بصيغة تحفظ الجميع۔