نبيه البرجي

كما لو كتب علينا أن نبقى على حافة الأشياء، على حافة الدنيا، على حافة الهاوية. لطالما قلنا... على حافة جهنم!

كان يفترض، والليدي نورما بيننا بثوب الزفاف، أن نرقص تحت المطر، أن نرقص تحت الثلج. الماء هولبنان. لولاه لكنا صحراء على شاكلة الوجوه الصفراء التي تمتطي أكتافنا، وأزمنتنا.

لا نتصور أن الفراعنة فعلوا بالعمال البؤساء الذين كانوا يحملون حجارة القبور على ظهورهم أكثر مما يفعل بنا فراعنة هذا الزمان.

كم بدت الجمهورية قبيحة بثوب الزفاف!! في الكتب المقدسة افتتان بثلج لبنان. الشاشات كانت تصف بالكارثة أي شيء، حتى لو سقوط حائط هرم، ومنهك، على قارعة الطريق.

لماذا كل ذلك الغضب؟ لماذا كل ذلك الصياح؟ فضيحة ان لم نكن نعلم أن الذين أعدنا انتاجهم في صناديق الاقتراع، ولطالما استمتنا لبقائهم الى الأبد، هم المسؤولون عن كل مصائبنا...

لصوص الخمسة نجوم في تزفيت الطرقات، وفي صيانة الأنهار، وفي الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة. القلة القليلة من المقاولين الذين لا يسندون رؤوسهم الى مرجعيات سياسية، والى مرجعيات روحية. نحن الضائعون في هذه الازدواجية الرهيبة بين المقامات السياسية والمقامات الروحية.

من لا يعرف من هم المقاولون اللصوص، ومن هم الوزراء اللصوص الذين لا يقبلون الرشى الا بأونصات الذهب. هذا لكي تتباهى الزوجة المصون بأنها لا تشتري ملابسها الداخلية الا من باريس، ولا تستسيغ أحمر الشفاه الا حين تتناول العشاء مع مونيكا بيللوتشي في روما، ولا تحب الشوكولا الا من «دكاكين» جنيف.

ذات يوم، لعبت سميرة توفيق في فيلم «بدوية في باريس». رأينا فيها اديث بياف التي كانت تمزق ثيابها وهي تغني لتحكي قصة قلبها الممزق، وطفولتها الممزقة.

الآن «عنزة في باريس». نحن البلد الوحيد في الدنيا الذي لا يخجل فيه اللصوص، بل يقدمون لنا، عبر الشاشات، الوصفات السحرية لاجتثاث الفساد.

من يتجرأ على توقيف بواب في احدى الوزارات اذا كان «يسترزق» ببيع الطوابع، ليتجرأ على توقيف نائب أو وزير؟ الذين هبطوا من المداخن، بثقافة الببغاءات، وبوجوه الببغاءات.

عليك أن تقول (وتقتنع) بأنهم هبطوا من السماء. ها أننا نضيف اسماً آخر الى الأسماء الحسنى... الناخب الأكبر!

هو من يختار نوابنا. هو من يختار وزراءنا. حتى أنه هو من يختار مخاتير القرى ورؤساء بلديات القرى. كل هذا ليمعنوا في صناعة تلك الجمهورية التي كما الأفعى ذات الأجراس، الفضيحة ذات الأجراس.

لكي تدركوا مدى سذاجتنا، يوحى الينا بان الليدي نورما هي المسؤولة عن الذي حصل. هذه ايام عادية اذا ما قورنت بأيام زمان. وكان الثلج على الطرقات يلامس السطوح، وكانت الأنهار تزور المنازل.

ما يحدث عندنا لا يحدث في الصومال، ولا يحدث في بنغلادش. اللصوص عندنا بالياقات البيضاء، وبالمواكب التي لم يعرفها حتى يوليوس قيصر.

اللصوص درجات درجات. من يختال بطائرته الخاصة، أو بيخته الذي يرتاح في الشتاء على الشاطئ اللازوردي في كان أو في موناكو. ومن يجلس وراء الطاولة كما لو أنه الظل العالي للباب العالي.

لا شيء يمشي الا بالرشى حتى ولو اردت ان تدفع الضريبة لا أن تأخذ. لا دولة في العالم، ربما لا دولة في التاريخ، تشبه هذه الجمهورية العجيبة.

ما من احد يأبه بنواقيس الخطر التي تدق في كل مكان. بعد تقرير مجموعة «غولدمان ساكس» المصرفية الشهر الماضي بعنوان «الى متى يمكن لبنان أن يموّل عجزه المالي؟»، تقرير جديد يطرح مسالة «تاثير اضطرار لبنان الى هيكلة ديونه»، محذراً من «النتائج التي قد تترتب على المستثمرين الأجانب خصوصاً، والمصارف، جراء تراجع امكان استرداد سندات اليوروبوندز قيمتها الاصلية».

ماذا ننتظر اكثر من هذا؟ الكاميرات التلفزيونية لم تترك مخيماً للنزوح الا ودخلته، ليعلو الصراخ من الصقيع ومن العوز. من يتجرأ أن يضع خطة لـ«انقاذ» النازحين، وبعدما بات مؤكداً أن بقاءهم على الأرض اللبنانية مبرمج بدقة الى أن تدق ساعة الخرائط؟

اذهبوا الى دمشق، والى حلب، والى حمص وحماه واللاذقية، وحتى الى دير الزور، لتتبينوا ان الحياة عادت الى دورتها. لماذا البقاء؟ لماذا البقاء؟

هؤلاء أهلنا. لذلك نقول لهم كفى صراخاً أمام الكاميرات. دياركم هي التي تحميكم من الصقيع، ومن العوز. أيضاً وأيضاً من... الشرشحة!

هذه جمهورية عمياء...