«تشكيل الحكومة كان في خبر كان، وأصبح اليوم فعلاً ماضياً ناقصاً، وإن الإقتراحات التي جرى تداولها أخيراً لم يكن لها نصيب من النجاح» هذه أجواء عين التينة التي نقلها النواب في الأمس عن الرئيس نبيه بري بعد لقاء الأربعاء... إذاً الحكومة ما زالت بعيدة ألف ميل عن التأليف ولكن هناك سؤال أو بالأحرى عدة أسئلة تطرح نفسها بعد غياب اكثر من ثمانية أشهر للحكومة، وفق أي قاعدة يتم صرف الأموال في حكومة تصريف الأعمال الحالية؟ وهل من يملك أرقام مجموع الإنفاق العام خلال أشهر الفراغ الحكومي؟

عاد لبنان في عام 2017 إلى سكة الانتظام المالي حين أقرّ أول موازنة بعد 12 عاماً من الصرف وفق القاعدة «الاثني عشرية» وهناك تخوّف من قبل بعض المسؤولين أن تطول عملية تشكيل الحكومة، وبالتالي العودة للصرف وفق هذه القاعدة، ما دفع الرئيس بري لمطالبة حكومة تصريف الأعمال بالاجتماع لدراسة الموازنة وإحالتها إلى المجلس النيابي، وهي المهمة التي كان يفترض أن تقوم بها الحكومة الجديدة منذ تشرين الأول الماضي، كما تنص المادة 83 من الدستور. ولمن لا يعلم ما هي قاعدة «الإثني عشرية» هذا تفسيرها: «تؤخذ الاعتمادات المفتوحة في موازنة السنة السابقة، وتضاف اليها الاعتمادات الإضافية التي فتحت خلال السنة ذاتها، وتطرح منها الاعتمادات الملغاة، ثم يقسم الرصيد إلى جزء من اثني عشر فتحصل على نفقات شهر كانون الثاني، يستمر تطبيق هذه القاعدة لحين تصديق الموازنة».

في العام 2018 بلغت الموازنة 25 ألف مليار و5043 مليون ليرة وكما هو ظاهر سيستمر الإنفاق بالمبلغ نفسه في الأشهر الأولى من العام 2019 مع استمرار العقبات في تشكيل حكومة جديدة وحسب قاعدة «الإثني عشرية»، ولكن هل سيكون هذا الرقم كافياً لتغطية تطوّر عمل الدولة والإستحقاقات التي تنتظر الحكومة فور تشكيلها؟

وأكد مسؤول مالي رفيع أنّه تم خلال فترة تصريف الأعمال صَرف أكثر من عشرين مليار ليرة على أمور غير عاجلة وغير ضروريّة لأنّ عدداً من الوزراء أرادوا إنهاء التزاماتهم قبل تركهم الوزارات التي لن يعودوا إليها، وبذلك تخطّت الحكومة الإنفاق المفترض أن يحصل على أساس «القاعدة الإثني عشريّة».

في مقابلة خاصة «للديار» مع البروفيسور جاسم عجاقة الخبير الإقتصادي والإستراتيجي أكد النقاط الاتية:

} الانفاق خلال حكومة تصريف الاعمال }

تصريف الاعمال لا علاقة له بالموازنة، فموازنة العام 2018 اقرّت بالتالي هي قانون ويتم الصرف على أساسها، مع بداية الـ2019 وغياب موازنة جديدة بدأ الإنفاق على أساس القاعدة «الإثني عشرية»، الإشكالية هي انه في ظل غياب حكومة لترفع الموازنة الى مجلس النواب لإقرارها تظل قواعد الصرف حسب القاعدة «الاثني عشرية» بما معناه عدنا لطريقة الانفاق بين العام 2006 والـ 2016 .

وأضاف البروفيسور عجاقة، في ما يخص حجم الانفاق في الـ 2018 الارقام الموجودة على موقع وزارة المال لا تشمل إلا شهر حزيران وحتى هذا الشهر الانفاق زاد بحدود الـ 2000 مليار ليرة نسبة للأشهر الستة الاولى من ال 2017 والايرادات تراجعت 500 مليار ليرة نسبة لاول 6 أشهر من ال 2017 بالتالي العجز بالموازنة زاد بالستة لاشهر الاولى 2500 مليار ليرة نسبة لستة الاشهر الاولى بالـ 2018.

في ما يخصّ الخسائر التي تتكبدها المالية في ظل غياب الحكومة يشير عجاقة أنها تنقسم بين إقتصادية ومالية، ووفق الحسابات التي قام بها أظهرت أن كل يوم تأخير في الحكومة يكلف خزينة الدولة 25 مليون دولار أميركي.

وعمّا يُحكى عن إعادة تفعيل دور حكومة تصريف الاعمال يشدد عجاقة على أنه بات اساسياً ومهماً في هذه المرحلة والإجراءات الإصلاحية كثيرة وطبعا من بينها رفع مشروع الموازنة إلى مجلس النواب، هذا الامر مفصول عن مراقبة الانفاق والتي تنص عليها المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية الذي يقول ان كل وزير يوقع على انفاق بدون وجود إعتماد له في الموازنة يكون بالتالي مسؤول من «ماليته الخاصة» بالتالي على ديوان المحاسبة أن يقوم بالمراقبة إضافة إلى مجلس النواب في حالتي الحكومة الأصيلة وتصريف الأعمال.

في منحى آخر يشير خبراء اقتصاديون إلى إمكانية خسارة لبنان المساعدات المقررة في مؤتمر سيدر، التي تبلغ مليارات الدولارات، بعد تحذيرات أوروبية لبيروت بالإسراع في تشكيل الحكومة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة. وتقدّر هذه المساعدات بـ 11،5 مليار دولار وإن خسرها لبنان سيحرم تنفيذ أكثر من 200 مشروع إقتصادي تنموي وستعيق تطوير البنية التحتية المتردية وغصلاح قطاع الكهرباء وستجمد استثمارات تقدر بعشرات مليارات الدولارات وحتماً خسارة عشرات آلاف فرص العمل.

ما نراه في الأفق لا يبشر خيراً والحاجة لحكومة جديدة باتت ملحة جداً قبل فوات الأوان والوقوع في الهاوية التي نقف على مشارفها!

راف سعاده