لا يمرّ وقت طويل، إلا ونسمع عن أحد معارفنا أنه توفي أو مريض بــ "هيداك المرض"، كما نصف مرض السرطان كأننا ننأى بأجسادنا وأنفسنا عنه. لكن على رغم ذلك، بات اللبنانيون شبه معتادين على ذلك. لم يعد أحد منا يتفاجأ بسماع أن أحد أفراد عائلته أو أصدقائه مصاب بالسرطان. صار "هيداك المرض" مثل الــــ "الرشح"، لكنه للأسف لا يماثله في المضاعفات.


السرطان مرض قاتل. السرطان معادل للموت، وفي أحسن الاحوال يخضع المصاب به لرحلة طويلة من العذاب لا تخلو من استئصال اجزاء من جسده، حتى ينجو. ترى ما السبب؟ لماذا ترتفع معدلات الاصابة بالسرطان في لبنان بشكل مخيف؟

قارىء هذا النص يعرف السبب مسبقاً. لكن لا بأس من تذكير المواطنين بأن أكثر من دراسة حول السرطان اجريت في لبنان، بينت أن تلوث الهواء فاق نسبة 200%، وهذا يعني ان كل ذرة اوكسيجين تدخل الى صدرونا مشبعة بكل انواع الجراثيم وكل ما يمكن أن يتحول الى مرض السرطان.

الهواء، المطر، التربة، الطعام، الماء، البحر والانهار، مياهنا الجوفية. كلها ملوثة. كل مصادر معيشتنا اليومية سمّ مجبرون على تذوقه، ونحن نعلم انه سيقتلنا ولو بعد حين.

هل يعقل ان بلداً مثل لبنان، كان يأتي المرضى من الخارج الى جباله لتلقي العلاج نتيجة طبيعته وهوائه النقي ومياهه العذبة، أن يصبح جحيماً ومطحنة موت لاهله؟

من يحمي الاطفال الذين يولودون كل يوم؟ اي مناعة ستحميهم في ظل كوارثنا؟ من يترك لهؤلاء فرصة حقهم باللعيش؟ لماذا علينا السكوت عن الحيتان والمتنفذين وازلامهم ليسلبونا ابسط مقومات الحياة؟

شر البلية ما يضحك. هذا ينطبق على الكثير منا في لبنان، اذ يبدو أن التلوث قد اتى ايضاً على العقول حتى جعلها على درجة عالية من التخدير، تخدير عام حول كل فرد منا اكثر فردية وانانية، فيسكت عن جرائم غيره، ويصفح ايضاً عن فوضاه وجرائمه هو نفسه بحق بيئته.

هذه الانانية التي تجعل اللبناني اعمى عن ادراك أن البيئة هي مجال عام ومشترك، يخص الجميع، وأن الكارثة عندما تحل وتكشر عن انيابها الدموية، فانها لن توفر احداً.