لم تجري زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون إلى أنقرة وفق آمال الولايات المتحدة، فقد وجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انتقاداً حاداً لبولتون في ما يتّصل بالأكراد الذين تدعمهم واشنطن في سوريا. إذ اعتبر إردوغان في كلمة ألقاها أمام نوّاب حزب العدالة والتنمية في البرلمان بأنقرة، أن تصريحات بولتون خلال زيارة لإسرائيل "غير مقبولة بالنسبة إلينا ولا يمكن التساهل معها". وأكد أن بولتون ارتكب "خطأ فادحاً" عندما صرح أن الإنسحاب الأميركي من سوريا يجب أن يبنى على ضمان حماية حلفاء الولايات المتحدة، أي الأكراد. وجاء تصريحه قُبيل لقائه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس حيث إستهل اللقاء قائلاً: "سنناقش قرار الرئيس الانسحاب، ولكن بهدف تنفيذ الانسحاب من شمال شرقيّ سوريا في طريقة تضمن أن تنظيم داعش هُزم ولم يعد قادراً على إحياء نفسه ليصبح تهديداً مجدداً". وأضاف: "وكذلك لنتأكد من الضمان التام للدفاع عن إسرائيل وأصدقائنا الآخرين في المنطقة، وللاهتمام بمن حاربوا إلى جانبنا ضد تنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية"، قاصداً بشكل خاص قوات سوريا الديمقراطية التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية أبرز مكوّناتها.

ومما لا شك فيه أن تصريحات بولتون لم تعجب الرئيس التركي أردوغان، فجاء الرد برفضه مقابلة بولتون أثناء زيارته الرسمية لتركيا. والسبب في عدم تقبل أردوغان للمطالب الأميركية أنه سيكون لأنقرة نصيب من نتائج الانسحاب الأميركي، من خلال تعزيز تواجدها في شمال شرقي سوريا، بالقرب من حدودها الجنوبية مع سوريا، شرط أن يتمكن الجيش التركي من القضاء على "قوات سوريا الديمقراطية"، وبالتالي فإن تحقيق المكاسب مرتبط مباشرةً بالقضاء على الأكراد.

مخطط تركيا في شمال سوريا

تطمح تركيا إلى تحقيق هدفين أساسيين في الشمال الشرقي لسوريا. الأول تأمين حدودها المشتركة مع سوريا من خلال القضاء على الفصائل المقاتلة من الأكراد ومن ثما الإنتشار العسكري في المنطقة، والتي ستقع حكماً تحت سيطرة أنقرة.

أما الهدف الثاني فيشمل مخطط أكبر متعلق بالشمال السوري، ألا وهو إعادة إحياء الفكر والمجد العثماني وبالتالي تغيير هوية سوريا شمالاً من خلال إعتماد اللغة والعملة التركية بين المواطنين. هذا وتستخدم أنقرة ذريعة محاربة الإرهاب لإستقدام تعزيزات عسكرية إضافية وخاصة إلى مدينتي جرابلس ومنبج في محافظة حلب. وقد إستندت تركيا على وثائق عثمانيية تفيد بأحقية أنقرة في الهيمنة على المدينتين. وإن نجاح المخطط التركي يستند أساساً على نجاح الهدف الأول، فوجود الأكراد في المناطق الشمالية الشرقية في سوريا سيعرقل تقدم القوات التركية، ومن هنا نفهم لماذا يرفض أردوغان الخضوع لطلب الولايات المتحدة في عدم التعرض للأكراد.

موقف الدول العربية من تحركات تركيا

شهدت الأسابيع المنصرمة تطورات دبلوماسية وسياسية كبيرة في الساحة العربية. تمثلت الخطوة الأولى في إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين الدول العربية الثلاث الإمارات ومصر وسوريا، والحديث يشير إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وسوريا، والعمل جار على فتح السفارة السعودية مجدداً في دمشق.

أما الخطوة الثانية فهي عودة السفارات الخليجية إلى سوريا، فقد أعلنت الإمارات عن إعادة افتتاح سفارتها في دمشق، بعد ثماني سنوات. وتبعها في اليوم نفسه، البحرين، التي صرحت أنها ستعيد مهمتها الدبلوماسية في دمشق. وبالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين البحرين، الإمارات والسعودية نجد أن اللوبي السعودي هو من أعطى الأمر لكلا البلدين لإعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، أو بمعنى آخر ما كان يمكن أن تعيد البحرين والإمارات فتح سفاراتها في دمشق لولا موافقة مسبقة من الرياض.

والخطوة الثالثة فهي متعلقة بإعادة الرئيس بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية. وبناءً على ما تم التوافق عليه فقد توالت زيارات الوفود العربية إلى دمشق، إنطلاقاً بالرئيس السوداني عمر البشير، في السادس عشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وتبعه علي الشمسي، نائب رئيس المخابرات الإماراتية، الذي زار سوريا لمدة أسبوع.

وقد كشفت مصادر رفيعة المستوى إلى أن الخطة العربية في إعادة العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، وضم سوريا إلى جامعة الدول العربية مجدداً تهدف إلى تهميش النفوذ الإقليمي لتركيا بإعتبارها التهديد الأكبر في المنطقة، فتأمين الغطاء السياسي العربي لسوريا سيعطيها القدرة على معارضة الوجود العسكري التركي شمالي سوريا، حيث تم نشر القوات التركية في مواجهة مقاتلي "ي ب ك" الإرهابية التي يقودها الأكراد.

وأضاف المصدر أن علي مملوك، المستشار الأمني الخاص للرئيس الأسد، قام بزيارة علنية نادرة إلى القاهرة، في توقع الإعلان عن التطبيع الكامل للعلاقات بين البلدين، شريطة أن يعلن النظام السوري أن أعداءه الرئيسين هم تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين. مما يضع مصر في خندق واحد مع السعودية في مواجهة الخطر التركي.

الموقف الروسي من تحركات تركيا

سبق لموسكو أن أظهرت إمتعاضها من التفاهم بين أنقرة وواشنطن الذي أنتج خارطة طريق منبج، حيث أن التصريحات الروسية أفادت بأن "موسكو تنظر للتحركات التركية شمالي سوريا على أنها غير شرعية في ظل غياب التنسيق مع الحكومة السورية"، ولم تستبعد موسكو نتيجة لذلك "حدوث عمليات عسكرية من القوات الحكومية أو القوات الرديفة لها ضد الوجود التركي في شمالي سوريا". ولكن مع الإنسحاب الأميركي من سوريا وفي ظل توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن بسبب الأكراد، قد تعيد موسكو خلط أوراقها. فقد أعربت بعيد إعلان ترامب قرار سحب الجيش الأميركي عن إرتياحها لما آلت إليه الأمور، خصوصاً أن التفاهم التركي الأميركي قد أصبح من الماضي وهي لم تعد قلقة من خروجها عن المعادلة في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية، إذ وفر الروس على أنفسهم بعد قرار ترامب مواجهة سياسية/ عسكرية إضافية على الأراضي السورية في حرب تقاسم النفوذ. وبالتالي قد تقف موسكو أمام خيارين، إما التمسك بقرارها إعتبار التحركات التركية شمالي سوريا على أنها غير شرعية، مع ضرورة التصدي لها. إما اللجوء إلى حل سياسي يقضي بالتفاهم بين روسيا وتركيا على تقاسم المصالح في الشمال الشرقي لسوريا، خصوصاً أن الخطر الأميركي وهو الأكبر قد زال عن المنطقة.