أيمن عبد الله

ملفان شيعيان مهمان وُضعا على طاولة مجلس الوزراء في بداية العام 2018، تعيين مدير لمصلحة الليطاني، ومثله لمصلحة لبنان الجنوبي. اتفق حزب الله وحركة أمل يومها على أن ينال الاول تسمية مدير «مصلحة لبنان الجنوبي»، وتنال الثانية حق تسمية مدير مصلحة الليطاني، فتم في شباط تعيين الدكتور سامي علوية مديرا عاما لمصلحة الليطاني.

مع استلام علوية لهذا الملف، عبّر كثيرون عن خيبة أمل، لاستلام «حركة أمل» ملف معالجة تلوّث الليطاني، والسبب كان أن نسبة وازنة من الملوثين من البلديات او المصانع تدور في فلك الحركة تجعل علوية «ساكتا عن الحق». بعد أيام من توليه المنصب زار علوية عين التينة للقاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وفي اللقاء شرح المدير الجديد خطته للعمل، وكان يعلم بأن الرئيس بري سيكون داعما له، ولكنه لم يكن متوقعا أن يطلب منه بري بدء الحرب على الملوثين المحسوبين على حركة أمل اولا، لكي لا يُقال بعدها بأن مصلحة الليطاني تتصرف من منطلق الكيد السياسي. وهكذا كان.

أطلقت المصلحة حربها على التلوث ومصادره، بحسب مصادر مطلعة، من البلدات الشيعية المحسوبة على «أمل» فكان قرار إزالة التعديات وهدمها، مع العلم أن هذا الامر يحصل للمرة الاولى في تاريخ الدولة اللبنانية، اذ لا تزال التعديات على الأملاك العامة البحرية والنهرية موجودة في مختلف المناطق اللبنانية، وبدل ان يصدر قرار هدمها، تصدر القوانين التي تبحث عن وسيلة لتشريع وجودها وتسوية أوضاعها.

وتضيف المصادر: «انتقلت مصلحة الليطاني بعدها لتوسيع رقعة الحرب على التلوث، فادّعت على اكثر من 300 معمل واكثر من 25 بلدية، وقامت بعمل جبّار بتصوير المخالفات البيئية ونشرها امام الجمهور لكي يتمكن الجميع من مشاهدة سبب الادّعاء ولكي لا يُقال أن ما يجري هو حرب سياسية من طرف على آخر»، مشيرة الى أن جولة سريعة على البلديات والمصانع المستهدفة تؤكد أن الملوثين هم من كل الطوائف والاطياف السياسية.

تكشف المصادر أن علوية كان بجوّ التدخلات السياسية التي انطلقت قبل انطلاقه بعمله، وكان يعلم بأن الملوّثين يملكون الغطاء السياسي الكامل، خصوصا وأن اغلب مالكي المصانع هم من النافذين الذين يملكون المال والعمال ويستطيعون التأثير انتخابيا في القرى التي يتحدرون منها او يعملون فيها، ما يجعلهم بمثابة مفاتيح انتخابية يحتاجها الحزب الفلاني والسياسي الفلاني. الا أن ما لم يتوقعه أحد هو أن يكون التدخل فاضحا تماما كما حصل في ملف مدير معمل ميموزا وسام التنوري. فماذا في التفاصيل؟

«في خضمّ الحرب على التلوث، في أيلول الماضي زار وزير الصناعة حسين الحاج حسن معمل «ميموزا»، وبعد جولة فيه أكد الوزير أن المعمل يلتزم بكل المعايير البيئية اللازمة، الأمر الذي أعاد بيان المصنع التذكير به منذ أيام، ولكن يبدو أن الوزير يومها لم يتمكن من رؤية الخلل لأن أصحاب المعمل أرادوا أن لا يراه»، تقول المصادر، مشيرة الى أن أصحاب المصنع عمدوا بعد ذلك الى الاستحصال على تقرير من وزارة البيئة يتحدث عن التزامهم بقسم كبير من المعايير البيئية وأنهم بصدد استكمال العمل على ما يلزم. ولكن اكتشفت المصلحة أن المصنع لا يلتزم، وانفضح الأمر مع تلوين نهر البردوني مجددا في الشهر الماضي.

لم يستطع احد الدفاع عن مصنع «ميموزا» بعدما انفضح تلويثه للبردوني، فتوالت المواقف الداعمة لمصلحة الليطاني، وكبرت كرة الثلج فأقفل المعمل لحين تسوية اوضاعه. استدعي صاحبه وسام تنوري للتحقيق الجمعة في قصر عدل زحلة. هنا تكشف المصادر أن تنوري أجرى اتصالات سياسية مع أحزاب فاعلة في زحلة قبل توجهه الى التحقيق، وطلب من عمال المصنع التحرك امام قصر العدل لدعمه وهذا ما حصل. وتضيف المصادر: «حضر نائبا التيار والقوات، ميشال ضاهر وجورج عقيص الى قصر العدل لدعم تنوري والضغط على القاضية مارجي مجدلاني بعد انتهاء الدوام الرسمي لكي لا يقضي ليلته بالحجز، لان الخروج بكفالة كان اكيدا انما بدل ان يكون الاثنين أصبح الجمعة مساء في سابقة قضائية لا تحصل الا في لبنان، متذرعين باشتعال الشارع الذي يتولاه عمال المعمل».

تكشف المصادر أن نائب حزب الله أنور جمعة وقع بفخ الضاهر وعقيص، فهو لم يكن من المدعوين الى قصر العدل، الا أن الظروف شاءت أن يحضر، وأن يساهم، بتخلية سبيل تنوري ليلا بعد اتصاله بالموظف الذي يستلم الكفالات للحضور. ربما ظن جمعة أنه يحمي الشارع من التفلّت، او عائلات العمال، ولكنه حمى أيضا ملوثا للأنهر.

لم يعد بالإمكان إيقاف عمل الحرب على الملوثين، تؤكد المصادر، مشيرة الى أن المصلحة التي كان لها الجرأة لتسمية الأمور بأسمائها للمرة الأولى، ستستكمل عملها بنفس الزخم