جمهورية في المزاد العلني...

من يشتري هذه الجمهورية التي بساقي السلحفاة؟ المشكلة ليست في البحث عن طريق لصناعة الدولة. هي في البحث عن طريق لصناعة رعايا الدولة.

كلنا نشتكي، وكلنا نصرخ (لم يكن ينقصنا سوى صراخ حنا غريب). نحن في زمن الأقبية، لا في زمن الثورات. حتى الديانات تحولت الى ايديولوجيات وتحل كل مشكلاتنا في الدنيا وفي الآخرة.

منذ أيام، زارنا رئيس النمسا. صلاحيات فخرية. لكنه رئيس دولة نحلم بان نتمثل بها. ظروف نشأتها ملتبسة مثل ظروف نشأة دولتنا. صحيح أننا لم ننتج رجلاً مثل يوهان شتراوس (الدانوب الأزرق)، أو مثل سيغمند فرويد (التحليل النفسي)، حتى أدولف هتلر ولد في النمسا. لكننا أنتجنا عباقرة في الفساد،وفي انتهاك المال العام، وفي انتهاك... الرأي العام.

نتكلم، قليلاً، في التاريخ. نواة الدولة هناك ظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد. فيينا لم تسقط امام الخيول العثمانية كما سقطت القسطنطينية. هذا لا يعني أن الأمبراطور لم يدفع جزية للسلطان.

النمسا هزمت نابليون في معركة آسيرن قبل أن يثأر في معركة مارخفيلد، ويقتطع أجزاء منها (شكلت يوغوسلافيا في وقت لاحق). كليمنت ميترنيخ، الديبلوماسي الفذ، وكان نجم مؤتمر فيينا (عام 1815) مع الفرنسي شارل تاليران، حدّ من ضراوة الصراع مع الأمبراطور الفرنسي بترتيب زواجه من الدوقة ماري لويز، ابنة أمبراطور النمسا فرانك الأول.

الدولة التي تبدو وكأنها مهرجان للموسيقى هي من أشعلت الحرب العالمية الأولى بالهجوم على صربيا اثر مقتل ولي العهد فرنسوا فرديناند في سراييفو،عاصمة البوسنة.

اذ هزمت في الحرب، رسمت الدول المنتصرة حدودها الحالية في مؤتمر جرمان (1919)، قبل ان يرغمها الفوهرر على خوض الحرب العالمية الثانية الى جانبه، لتغدو دولة محايدة اعتباراً من عام 1955.

تاريخ لا يشبه تاريخنا. الحدود فرضت على النمسا مثلما فرضت علينا حدود «دولة لبنان الكبير» في مؤتمر فرساي عام 1919.

لا مجال للمقارنة بين وضع النمسا داخل قارة اغتسلت من الدم،ومضت بين فلسفة ديكارت وفلسفة هيغل،ووضع لبنان داخل منطقة مات فيها العقل،وماتت فيها الفلسفة. ماذا حين يظهر في القرن الحادي والعشرين رجل مثل أبي مصعب الزرقاوي أو مثل أبي بكر البغدادي؟

لا حياد للبنان بوجود الصراع العربي ـ الاسرائيلي الذي حوّله المنطق القبلي الى صراع بين العرب والعرب. بعد أكثر من مائة عام على اتفاقية سايكس ـ بيكو، لا تزال دول، ومجتمعات، المنطقة على مسافة ضوئية من لعبة القرن.

رئيس النمسا زارنا كنموذج للدولة التي يزيد دخل الفرد فيها عن الأربعين الف دولار. لاحظ، دون شك، كيف ان الدولة عندنا تلفظ انفاسها الأخيرة. الرعايا، بدورهم، يلفظون أنفاسهم الأخيرة.

قد يكون مضحكاً أن نقارن بين مأساة نهر الدانوب الذي أنهكه التلوث، وهو يعبر، او يتاخم، عشر دول، ومأساة نهر الليطاني، نهرنا، الذي تحوّل الى مصنع للأوبئة على أشكالها.

الشعب في النمسا ينتمي الى اتنيات مختلفة. الذين تعاقبوا على الحكم جعلوا حتى الموسيقى جزءاً من الفلسفة السوسيولوجية للدولة. واذ كنا بلد الاشعاع بتسويق الحداثة في المحيط العربي، انتقلت الينا، بتأثير سياسات الهلهلة، ثقافة تورا بورا.

على مدى سنوات، لاحظنا كيف تغلغلت هذه الثقافة في عظامنا. الصراع السني ـ الشيعي الذي لم يتوقف بعض من في الداخل عن تواطؤ مع بعض من في الخارج لتفجيره، حوّل الجمهورية الى جثة مع وقف التنفيذ.

الرئيس النمساوي اذ نصحنا بالقفز فوق خلافاتنا،ببعدها الفولكلوري، في الظروف المروعة التي تجتازها المنطقة، لا بد أنه وقف مذهولاً حيال استشراء الفساد في أرجاء حياتنا. في بلاده، يذهب أحياناً الى مكتبه على متن دراجة هوائية «كي لا يسيء الى الأزهار».

حتى المصارف التي لا تزال الشاهد الاخير على بقاء البقية الباقية من الدولة، تخوض، في ما بينها، صراعاً قاتلاً حول «انتزاع» الودائع.

قيل لنا، لا بد من المايسترو الذي، باليد الحديدية، يعيد ارساء قواعد الاشتباك بين المصارف لأن بقاء الصراع، بايقاعه الحالي، يعني انفجار الفوضى، دون أن يكون باستطاعة أحد وقف الانزلاق نحو الهاوية.

كل هذا، وأركان السلطة، ما زالوا مختلفين حول توزير أحد النواب الستة (لكأنهم أعمدة جوبيتير). وكنا نتمنى لو أن الرئيس ميشال عون طلب من ضيفه اخراج ميترنيخ من قبره لعله يعثر على حل لهذه المشكلة التي تعني أن الذين يحكموننا أقل من أن يكونوا رجال دولة وأقل من أن يكونوا شيوخ قبيلة.

لا سبيل للأخذ بالنموذج النمساوي. منذ سنوات، نطبّق النموذج الصومالي. ربما النموذج العراقي حيث ثنائية الفساد والتصدع في حدودها القصوى.

لماذا لا نستورد وزراء من النمسا؟ دولة وقد تحولت الى خردة سياسية، واقتصادية، لن تجد من يشتريها في المزاد العلني...