اليوم ازمة تأليف الحكومة التي تعيشها البلاد تظهر مجدداً ثغرات اتفاق الطائف الذي يحاول البعض ترقيعها ولكن كلما وقع الخلاف في البلد تعود هذه الثغر لتطفو الى سطح. رئيس الوزراء يملك كل الصلاحيات في ادارة البلد ورئيس مجلس النواب الامر الناهي في البرلمان والآن بالتحالف القائم بين حركة امل وحزب الله زاد نفوذ رئيس البرلمان في الدولة في حين لا يملك رئيس الجمهورية صلاحيات تحفظ فعاليته وسلطته كما انها لا تخوله ان يكون حكماً ومع هذا كله يتوقع الجميع ان يكون لدى رئيس الجمهورية الحل للعقدة السنية التي تمنع تأليف الحكومة.

وباختصار بعدما أمّن الرئيس الحريري على حصته والثنائي الشيعي راض عن الحصة التي حصل عليها، ترك لرئيس الجمهورية حل العقدة السنية على الارجح لاستيعاب هذه العقدة والتضحية من حصته من اجل تأليف الحكومة. للأسف، ورغم صلاحيات رئيس الجمهورية الفخرية، يريد الجميع ان يتنازل الرئيس من حصته بالقبول بوزير من اللقاء التشاوري المؤلف من النواب السنّة الستة.

ان سلمنا جدلاً ان دور رئيس الجمهورية القبول بأحد من النواب السنة الستة من حصته واحتواء الخلاف في البلد وبمعنى اخر ان يتصرف كحكم حين تحتدم السجالات بين الافرقاء السياسيين، اقل ما يمكن فعله ان تزاد صلاحيات رئيس الجمهورية ليتمكن بالفعل من ان يكون الحكم في البلاد. والحال ان توزيع الصلاحيات بين رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية كما نصّ عليه الطائف، اخلّ بالتوازن وزاد من التعطيل والفراغ في البلاد اذ تبيّن أنّ سحب صلاحيات رئيس الجمهورية واعطائها لرئيس الوزراء لم يؤدّ الى الاستقرار المطلوب بل أدّى الى تأزيم الامور على الصعيد السياسي.

ليس كل مرة ينتقد احد اتفاق الطائف او عيوب هذا الاتفاق، يكون متطاولاً عليه وعلى رئيس الوزراء وصلاحياته وعلى اهل السنة، لأنّ من حقّنا ومن حق اي مواطن او اي جهة سياسية التعبير عن رأيها بما اننا نعيش في دولة ديمقراطية كما بالإمكان طرح مقاربة جديدة للطائف سواء عبر تعديل بعض النصوص فيه او اضافة بنود جديدة، لأن لا قدسية الا للوطن ولا خطوط حمراء الا السلم الاهلي والعيش المشترك.

بيد أنّ الكلام عن ضرورة وجود فترة سماح للرئيس المكلف، لا تشكل تعدّياً على اهل السنة في لبنان بل هي حاجة لوضع اطار زمني للرئيس المكلف كي لا تبقى الامور الى ما لا نهاية، ويصير الرئيس المكلف يستبدل التأليف بالتصريف. هذا المطلب لا ينتقص من سلطة رئيس الوزراء بل في الحقيقة هو يضع خارطة طريق لمسار التأليف ويحدّ من الاستنزاف وحالة الجمود التي تهيمن على السلطة التنفيذية كما انه يفعّل دور النواب في اعادة النظر بشان الحكومة المرتقبة .

وهنا يظهر الطائف على انه اتفاق يفتقد الى المرونة في التعاطي مع الازمات التي يشهدها لبنان ويكشف ايضاً كم كان من الخطأ اضعاف موقع رئيس الجمهورية وتجريده من صلاحياته، حتى منعه من ان يكون حكم في التركيبة السياسية فارتضوا ان يكون رئيس الجمهورية شاهد يراقب ينتقد يبدي ملاحظاته لكن دون اي سلطة فعلية تخوله تحويل اقواله الى افعال في النظام اللبناني.

وهذا ما يفتقده الطائف من ناحية الشراكة المنصفة التي تبني اسساً متينة بين الطوائف، دون ان يشعر طرف بالإحباط وطرف اخر بالنشوة. بيد ان الايام اظهرت ان الشراكة اساس انطلاق اي مشروع سياسي وطني وهي يجب ان تكون مبنية على وجود زعيم مسيحي ذي قاعدة شعبية في بيئته وزعيم مسلم ذي قاعدة شعبية في بيئته ايضاً .نعم الشراكة الحقيقية لا تقوم بين رئيس وزراء يملك كافة الصلاحيات وبين رئيس للجمهورية مجرد من معظم الصلاحيات. ولذلك الا يفترض ان تكون هذه الحالة معكوسة في الدستور؟ الا يجدر ان يلحظ الطائف صلاحيات جديدة لرئيس الجمهورية بعد كل المتغيرات التي طرأت منذ اقراره حتى الان؟

الظروف التي احاطت بإعلان اتفاق الطائف عام 1989 مختلفة عن الظروف الحالية سواء داخلياً او خارجياً، اذ يوم وقّعت الاطراف اللبنانية المتنازعة في ما بينها على اتفاق الطائف كانت الظروف مغايرة للظروف الحالية فالحرب كانت انهكت اللبنانيين وبات الجميع يريد حبل خلاص يضع حداً للتقاتل، اضافة الى ان الظروف الاقليمية اعطت سوريا الضوء الاخضر واليد الطولى لإدارة لبنان وعليه طبّق اتفاق الطائف بدعم سعودي ووفق المزاج السوري.

وعليه، لم ينفذ في الحقيقة اتفاق الطائف، ذلك لان القيادة السورية استخدمت ما يناسبها من بنود من هذا الاتفاق وتخلت عن ما لا يناسبها، في حين السعودية عملت على تقوية موقع رئيس الوزراء في وقت كانت القيادات المسيحية بعضها في النفي والاخر في السجن.

اليوم نريد اتفاق الطائف ولكن ضمن التركيبة الواقعية اللبنانية وما آلت اليه الاوضاع فيصبح اتفاق الطائف يعكس متطلبات الشعب اللبناني ويكون لبنانياً لا ينفذ وفقاً للمزاج السوري والسعودي بل وفقا للحاجة اللبنانية.

اتفاق الطائف كان اهون الشرين، اي بمعنى اخر كان الخيار الافضل بين انهاء الحرب او القبول باستمرارها، ولكن اليوم الظروف تغيرت وهذا التغيير يجب ان يكون ملحوظاً في دستور الدولة.

وبعيداً عن اي نزاع طائفي، مطلوب صلاحيات للرئيس، لأنّ دستور الطائف اخذ صلاحيات رئيس الجمهورية واعطيت لرئيس مجلس الوزراء، في حين ان الدستور السابق كان يعطي صلاحيات كثيرة لرئيس الجمهورية وكان يجب تعديلها وليس ضربها كلياً.

اما بالنسبة لرئيس المجلس النيابي، فهو في الفترة الطويلة التي امضاها الرئيس نبيه بري، اصبح لديها ادارة قوية، واذا كان الطائفة الشيعية قد زادت من قوتها، فهو ليس من خلال الطائف، بل من خلال انجازاتها وذلك عبر حزب الله والمقاومة والتضحيات التي قدموها من شهداء وجرحى، وقد قام حزب الله بردع سادس اقوى جيش في العالم والذي ارعب العرب على مدى زمان طويل، وهو العدو الاسرائيلي، وقد وضع حزب الله حدّاً لهذه القوة الوهمية التي كانت ترعب العرب، وذلك عبر المقاومة وعبر ضرب هيبة "الجيش الذي لا يقهر"، الذي ثبت أنه أوهن من بيت العنكبوت.

ولا ننسى الخطر التكفيري السلفي، الذي ارسلته اميركا وبعض دول الخليج واهمّها السعودية، وذلك لضرب خط الممانعة من سوريا الى لبنان الى ايران الى العراق، حيث قام حزب الله بإسقاط هذه المؤامرة وضرب في وكرها، وهذا ما اعطى الطائفة الشيعية التي ينتمي اليها حزب الله ورئاسة المجلس النيابي قوة كبيرة.

وقد اثبت حزب الله انه قوّة لا يستهان بها، ويقارن بقوة الجيوش الكبيرة مثل الجيش الروسي والجيش الايراني والجيش السوري وهو لم يستغل انتصاراته في الداخل اللبناني وفرض هيمنة الطائفة الشيعية على باقي الطوائف، بل على العكس، ولم يكن يوما يقاوم على اساس مذهبي شيعي، بل كان وطنياً بامتياز وقد قام بتحرير الجنوب من الرجس الاسرائيلي، وهو عمل وطني بامتياز، وليس عملاً مذهبياً وضرب المؤامرة الاميركية – الخليجية وهذا ايضاً عمل وطني وليس عملاً مذهبياً، ومن هنا فلأن جمهور المقاومة الأكبر هو شيعي، ظهرت قوته ضمن الطائفة الشيعية ولكنها لم تستغل ضمن السياسة الداخلية لفرض اي تغيير لا من صلاحيات رئاسة الجمهورية ولا من صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء، ولم تطالب بشيء لصالح رئاسة المجلس النيابي، بل على العكس تطالب بالتساوي مع باقي الطوائف ولم تطلب المقاومة شيئا خاصاً لها ابداً، كما لا زالت صلاحيات الرئيس نبيه بري كما هي في رئاسة المجلس النيابي ووجوده اعطاها قوة وحكمة داخل المجلس.