جوزف فرح

غيرت وكالة التصنيف الدولية «للتصنيفات الائتمانية موديز» النظرة المستقبلية لتصنيف لبنان من مستقرة الى سلبية، وذلك بسبب زيادة المخاطر على وضع السيولة الحكومية والاستقرار المالي في لبنان ونتيجة تصاعد التوترات الداخلية والجيوسياسية.

وتوقعت «موديز» ان تظل معدلات العجز في الموازنة اللبنانية اعلى لامد طويل مما يزيد من اعباء الدين على الحكومة، وزيادة المخاطر على وضع السيولة الحكومية والاستقرار المالي في البلد، وادرجت الوكالة لبنان ضمن الدول ذات الوضع الائتماني الذي سيكون اكثر تأثراً بزيادة كلفة الاقتراض نظراً الى مستوى الدين العام المرتفع والقدرة الضعيفة على تحمّل كلفة الاستدانة الباهظة.

وقد غرد وزير المال في حكومة تصريف الاعمال علي حسن خليل على حسابه على «تويتر» بأن تقرير «موديز» الذي حافظ على تصنيف لبنان مع تغيير النظرة الى سلبية يفرض على الجميع الانتباه الى المضمون الصحيح الذي يؤكد على أهمية تشكيل الحكومة والبدء بالاصلاحات لاعادة الثقة وتخفيف معدّل المخاطر وتخفيف العجز، اذا كان الامر ممكناً الان، فربما سنخسر فرصته بعد اشهر اذا ما بقيت النظرة السلبية نفسها.

في المقابل، ورغم اصدار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة على ضرورة تشكيل الحكومة والبدء بالاصلاحات فانه يؤكد ان البنك المركزي لديه وفرة من العملات الاجنبية للابقاء على اهدافه المتمثلة في الحفاظ على استقرار الليرة اللبنانية ودعم حاجات الحكومة من النقد الاجنبي.

واذا كانت وكالة «موديز» وهي مؤسسة تصنيف عالمية قد وجهت انذاراً لضرورة تشكيل الحكومة والبدء بالاصلاحات، واذا كان وزير المالية على هذا المنوال ايضاً، كذلك حاكم مصرف لبنان، الا يعي السياسيون مدى الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي يتعرض لها لبنان، كأن العقوبات الاميركية المفروضة على «حزب الله» تبقى أقل ضرراً مما يفعله هؤلاء السياسيون بأنفسهم وبمواطنيهم واقتصاد لبنان.

والمطروح واضح من اجل انتشال الانهيار الاقتصادي ضرورة تشكيل الحكومة الجديدة خصوصاً ان هناك 11.7 مليار دولار من مؤتمر سيدر تنتظر لبنان منذ اكثر من سبعة اشهر للبدء بتنفيذ المشاريع في البنى التحتية التي تعني عودة انتعاش الاقتصاد الوطني وتأمين فرص العمل خصوصاً للشباب حيث وصلت نسبة البطالة لديهم الى 35 في المئة.

مع العلم ان التعديل الذي قامت به وكالة «موديز» لم يكن مفاجئاً لدى الخبراء الاقتصاديين، باعتبار استمرار تفاقم عجز الموازنة حيث يتوقع هؤلاء ان يصل العجز في نهاية السنة الى 9 الاف مليار ليرة اي 11 في المئة من الناتج المحلي وهذه اعلى نسبة في العالم.

اضافة الى ذلك، فمن المتوقع خلال الايام المقبلة ان تعلن وزارة المالية عن اطلاق اصدار جديد من سندات الخزينة بقيمة 2000 مليار ليرة لتأمين تغطية الرواتب لموظفي القطاع العام، وهذا يعني ان الدولة زاد انفاقها وثلث ايراداتها مع العلم ان الاصلاحات المطلوبة ان يتم تخفيض العجز من الموازنة بمعدل 5 في المئة خلال السنوات الخمس، بينما ما يتم لحظه ان العكس ما يحدث اليوم في ظل استمرار التوظيف العشوائي وما يحكى عن 5 الاف موظف جديد في القطاع العام.

لم يعرف عما اذا كانت موازنة الدولة للعام 2019 الموجودة في امانة مجلس الوزراء التي تقدم بها وزير المالية في حكومة تصريف الاعمال تتضمن اصلاحات اوان الحكومة الجديدة سيتم ادخال هذه الاصلاحات، وبالتالي من المفروض ان يتم تشكيل الحكومة اولاً وان تقوم باصلاحات كي تعيد الثقة الى الاوضاع المالية والاقتصادية واعطاء اشارات ايجابية الى المستثمرين والمودعين والمؤسسات المتعددة وخصوصاً اشارات ايجابية الى مؤسسات التصنيف العالمية لكي تعيد النظر بتوقعاتها حيال لبنان، والى الذين ساعدوا لبنان من خلال قروض وهبات «سيدر» بأن الحكومة وضعت القطار على السكة الصحيحة.

صحيح ان مصرف لبنان ما زال ضابط الايقاع في سوق القطع، وانه متمكن من السيطرة على الليرة اللبنانية ولا خوف عليها، لكن الخبراء يؤكدون ان رياض سلامه يواجه التحديات بمزيد من الاصرار على متانة الوضع النقدي وبمزيد من التدابير التي تلجم اي تدهور نقدي، في المقابل فان المؤشرات الاقتصادية لا تبشر بالخير و«صرخات» اصحاب الشأن في القطاعات الاقتصادية تتعالى دون اي ردة فعل سياسية من المسؤولين المستمرين في تجاذباتهم السياسية.

الخبير المصرفي الاقتصادي الدكتور غازي وزني منذ تقرير «موديز» يقول ان هذا التقرير يستند الى عناصر عدة: الشلل الحكومي الذي يؤدي الى امكانية التفريط باموال سيدر واصلاحاته، والى ابتعاد العجز في المالية العامة وتجاوزه الـ10.30 في المئة في نهاية العام، وبقاء الدين العام مرتفعا حتى يصل الى 155% من الناتج المحلي، وبقاء العجز في الحساب الجاري الذي يفوق الـ20 في المئة من الناتج المحلي ما يهدد بالتالي القدرة على التمويل الخارجي (الاستيراد) كما يتخوف من ان امكانية مصرف لبنان بالعملات الاجنبية قد يتضاءل في المرحلة المقبلة نتيجة العجز في ميزان المدفوعات، كل هذه العوامل عوامل سلبية وواقعية لكن عند اي تحسن من هذه العوامل قد يؤدي الى تغيير في التقرير في المرحلة المقبلة.

واكد وزني ان هذا التقرير هو بمثابة تحذير للقوى السياسية للتعجيل في تشكيل الحكومة. وتدارك الانهيار الاقتصادي وقدرات مصرف لبنان في حماية الاقتصاد التي تستند تدريجيا.

واكد وزني ان هذه التوقعات قد تتبدل بشكل سريع في اي تغيير خصوصاً ان الثقة بالقطاع المصرفي ما زال قوياً لدى المودعين حيث لم يسجل خروج ودائع الى الخارج سوى بنسبة 2 في المئة رغم العجز في ميزان المدفوعات.

ويعتبر وزني ان تبعات هذا التقرير سيؤدي الى زيادة المخاطر السيادية للدولة اللبنانية وزيادة الاقتراض على القطاعين العام والخاص، بالنسبة للقطاع العام سيؤدي الى زيادة خدمة الدين وزيادة العجز في المالية واضعاف القدرات الشرائية بالنسبة للقطاع الخاص سيؤدي الى زيادة الانكماش الاقتصادي وارتفاع اسعار السلع والخدمات.

هل يعي السياسيون ذلك؟