قامت الجمهورية الثانية بفرنسا إثر ثورة شباط/فبراير سنة 1848 لتعوض بذلك ملكية تموز/يوليو والتي عاشت على وقعها البلاد منذ عام 1830.

وفي الأثناء، لم تستمر الجمهورية الثانية طويلا، حيث عرفت نهايتها بعد أقل من 5 سنوات يوم الثاني من شهر كانون الأول/ديسمبر سنة 1852 على يد شارل لويس نابليون بونابرت (Charles-Louis Napoléon Bonaparte)، ابن أخ نابليون بونابرت والذي قاد انقلابا سنة 1851 قبل أن يعتلي عرش فرنسا خلال السنة التالية تحت اسم نابليون الثالث (Napoleon III)، معلنا بذلك بداية عهد الإمبراطورية الثانية والتي استمرت إلى حين وقوعه أسيرا في قبضة الجيش البروسي سنة 1870.

منذ البداية، أولى نابليون الثالث اهتماما كبيرا بطبقة العمال، حيث اتجه الإمبراطور الفرنسي لتحسين مستوى معيشتهم، سعيا منه لكسب تأييد وعطف هذه الطبقة التي تجنبت غالبا التدخل في الشؤون السياسية للبلاد.

وفي مجال الصناعة، شهد عهد الإمبراطورية الثانية بداية انتشار الصناعات الكبرى المعاصرة والتي ظهرت بإنجلترا في وقت سابق بكل خصائصها.

ومع بداية انهيار الحرف، عرفت فرنسا بروز التجمعات الصناعية، وانتشار المكننة.

وتركز التعدين بشكل مكثف شمال وشرق البلاد، وعرف قطاع صناعة النسيج طفرة غير مسبوقة.

وفي الأثناء، سعى نابليون الثالث لاستغلال هذا التطور الصناعي من أجل توفير جملة من الحقوق والامتيازات للعمال، فما كان منه إلا أن أنشأ عددا من مؤسسات الضمان الاجتماعي مثل صندوق التقاعد، فضلا عن ذلك اتجه الامبراطور الفرنسي خلال النصف الثاني من فترة حكمه لإقرار حق الإضراب وإنشاء الجمعيات، وفي المقابل رفض الأخير ظهور النقابات العمّالية.

أما الفلاحة، فقد شهد عهد الإمبراطورية الثانية توسع الأنشطة الفلاحية، يعزى السبب في ذلك إلى تطور وسائل النقل وظهور الطرقات التي امتدت نحو الأرياف وانتشار استخدام الأسمدة، خاصة سماد غوانو المستورد من البيرو، وهو ما ساهم في تحسن إنتاج الحبوب والكروم والشمندر السكري.

وخلال نفس الفترة، سجلت السكك الحديدية انتشارا واسعا لتشمل مناطق عديدة من #فرنسا حيث ارتفع طول خطوط السكك الحديدية، التي امتدت نحو جبال الألب، ليقدر بنحو 17 ألف كلم سنة 1869 بعد أن كان في حدود 6500 كلم سنة 1856.

وعرف قطاع النقل البحري تطورا سريعا عقب ظهور مؤسسات النقل البحري العابرة للمحيط الأطلسي وانتهاء الأشغال على قناة السويس سنة 1869 والتي قادها المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسابس (Ferdinand de Lesseps).

وبالتزامن مع ذلك، تطورت التجارة الفرنسية بشكل سريع حيث سجلت قيم الرأسمالية انتشارها بشكل سريع بالبلاد تزامنا مع تركز المنشآت الصناعية، إضافة لذلك شهدت فرنسا ظهور العديد من المؤسسات البنكية ولعل أبرزها Crédit Foncier وSociété générale وCrédit Lyonnais.

وخلال نفس الفترة، وافق الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث على إبرام العديد من اتفاقيات التبادل التجاري الحر مع البريطانيين، الأمر الذي ساهم لاحقا في نقل المزيد من الصناعات نحو فرنسا.

واستضافت باريس خلال عامي 1855 و1867 المعرض العالمي، وبفضل ذلك استقطب الفرنسيون المزيد من المستثمرين الأجانب لبلادهم.

وخلال عهد نابليون الثالث، شهدت العاصمة الفرنسية باريس تغيرا غير مسبوق، حيث أمر الأخير بإجراء تغيير جذري على المدينة لإعادة هيكلتها وفق المعايير المعاصرة، لتعرف باريس عقب ذلك ظهور العديد من الشوارع الكبيرة والواسعة والتي سعى الإمبراطور الفرنسي حينها لاستغلالها لقمع أية احتجاجات عمالية محتملة.

ومع انتهاجه بادئ الأمر لسياسة داخلية قيّدت الحريات، اعتمد نابليون الثالث سياسة استعمارية توسعية، حيث سعى الأخير لجعل فرنسا القوة العسكرية الأولى بالبحر الأبيض المتوسط، فما كان منه إلا أن أمر بالسيطرة على منطقة القبائل الجزائرية سنة 1857 قبل أن يأمر قواته بالتدخل بسوريا لحماية المسيحيين عقب أعمال العنف التي اجتاحت المنطقة.

وإضافة لذلك، وافق الإمبراطور الفرنسي على التدخل إلى جانب كل من إنجلترا والعثمانيين ومملكة البيومنت ضد روسيا خلال حرب القرم لوضع حد لأطماع الأخيرة التوسعية على حساب الدولة العثمانية.

ولم تتردد فرنسا خلال عهد نابليون الثالث في زيادة عدد مستعمراتها لتهيمن على كل من كاليدونيا الجديدة (New Caledonia) وميناء توران (Port Tourane) سنة 1858 وكمبوديا بداية من سنة 1863 وسايغون (Saigon) سنة 1867.

ووقف الأخير في وجه إمبراطورية النمسا، وأيد سياسة عزلها دوليا ليساند بذلك في بادئ الأمر الوحدة الألمانية والإيطالية والحملة على #المكسيك.

العربية