خلال نيسان/إبريل 1822، كانت جزيرة خيوس (Chios) اليونانية مسرحاً لواحدة من أسوأ الإبادات خلال القرن التاسع عشر. ففي خضم ثورة اليونان، والتي أفضت إلى الاستقلال عقب حوالي أربعة عقود من الهيمنة العثمانية، حلّ الأتراك بهذه الجزيرة لتشهد المنطقة إبادة تسببت في سقوط عدد كبير من القتلى، مما أثار موجة استياء عالمية.

ومنذ منتصف القرن الخامس عشر، تمكن العثمانيون من إخضاع اليونان لسيطرتهم. وحظيت خيوس اليونانية بمكانة هامة لدى الدولة العثمانية، حيث اتجهت لاستغلال موارد الجزيرة، التي تمثلت أساساً في نبات المصطكى المعتمد في مجالات عديدة، خاصة الطبية.

وفي خضم ثورة اليونان، حلت بجزيرة خيوس خلال النصف الثاني من آذار/مارس 1822 فرقة من الثوار اليونانيين، بقيادة ليكورغوس لوغوثرتيس (Lykourgos Logothetis)، قادمة من منطقة ساموس (Samos) لجذب المزيد من اليونانيين نحو الثورة على حكم الأتراك بالمنطقة.

وانضم عدد قليل لم يتجاوز الألف شخص من سكان خيوس لليكورغوس لوغوثرتيس، حيث فضل أغلبهم البقاء في بيوتهم خوفاً من ردة فعل العثمانيين. وفي الفترة التالية، شنّ الثوار اليونانيون هجوماً فاشلاً على أحد الحصون بجزيرة خيوس قبل أن يعودوا أدراجهم نحو ساموس.

واستشاط السلطان العثماني، محمود الثاني، غضباً حال سماعه بحادثة خيوس، فما كان منه إلا أن أمر بحملة انتقامية ضد سكان الجزيرة سعى من خلالها لبث الرعب في نفوس اليونانيين وإجبارهم على البقاء تحت نفوذ الدولة العثمانية.

وفي مطلع نيسان/إبريل 1822، حل ما يزيد عن 40 ألفاً من القوات العثمانية بجزيرة خيوس لتنفيذ أوامر السلطان محمود الثاني، التي نصت على إعدام جميع الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثلاث سنوات، إضافة إلى الذكور الذين تتجاوز أعمارهم 12 سنة، والإناث الذين تخطوا عتبة الأربعين عاماً. كذلك طالب السلطان بسبي ما تبقى من سكان الجزيرة وإخلاء سبيل كل من يتخلى عن الديانة المسيحية الأرثوذكسية.

وفي الأسابيع التالية، أقدم العثمانيون على إفراغ جزيرة خيوس من سكانها، المقدّر عددهم بنحو 120 ألف نسمة. وحسب أغلب الإحصائيات، أقدم الجنود العثمانيون على قتل ما يزيد عن 50 ألف شخص ونقل 50 ألفاً آخرين كعبيد نحو الأستانة، كما فرّ ما يقارب العشرين ألفاً من سكان الجزيرة نحو المناطق المحاذية.

وبحلول حزيران/يونيو 1822، تحولت جزيرة خيوس إلى كومة خراب، ولم يتبق من سكانها سوى ألفي شخص ممن اضطروا للاحتماء داخل الكهوف مع بداية الهجوم العثماني.

وفد أثارت الإبادة التي تعرض لها سكان جزيرة خيوس موجة غضب عارمة اجتاحت أغلب الدول الأوروبية، التي سرعان ما غيّرت موقفها حول قضية اليونان لتساند بذلك استقلال الأخيرة.

إلى ذلك، أقدم عدد من كبار الفنانين والأدباء على تخليد هذه المذبحة، ولعل أبرزهم الأديب الفرنسي فكتور هوغو (Victor Hugo)، الذي ألّف قصيدة لتخليد نزول العثمانيين بجزيرة خيوس عام 1822.

وخلال الحملة العسكرية على خيوس، أقدم العثمانيون على سبي عدد كبير من الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين 4 و12سنة، ولعل أهمهم جورجيوس سترافيلاكيس (Georgios Stravelakis)، الذي أصبح لاحقاً الوزير الأكبر لتونس وعرف باسم مصطفى خزندار، حيث سباه العثمانيون وهو في الخامسة من عمره، عقب مقتل والده، قبل أن يتم بيعه في سوق العبيد بتونس.

العربية