خلال صيف سنة 1866، خاضت مملكة بروسيا (Kingdom of Prussia)، بقيادة الملك فيلهلم الأول (William I) والمستشار المحنّك أوتو فون بسمارك (Otto von Bismarck)، حربا طاحنة ضد الإمبراطورية النمساوية.

وخلال هذه الحرب التي لم تستمر إلا لأسابيع قليلة، وأسفرت عن مقتل وإصابة ما يزيد عن 100 ألف شخص، تمكنت مملكة بروسيا من سحق إمبراطورية #النمسا وإذلالها على الصعيد القاري، خاصة عقب معركة سادوا (Sadowa) مطلع شهر تموز/يوليو سنة 1866 والتي كانت ضربة قاضية لمكانة الجيش النمساوي.

وعقب هذا النصر الساحق، فرض المستشار البروسي أوتو فون بسمارك معاهدة سلام قاسية على النمساويين.

وأنهى بموجبها بسمارك النفوذ النمساوي على الدويلات الألمانية، حيث أقصيت النمسا من الكونفدرالية الجرمانية، وبدلا من ذلك ظهر اتحاد ألماني جديد ضم دويلات شمال نهر المين (Maine) وهيمنت عليه مملكة بروسيا.

كما ظهرت نواة الوحدة الألمانية، حيث تألف هذا الاتحاد الجرماني الشمالي الجديد من دويلات ألمانية عديدة، وأصبح ملك بروسيا رئيس حكومة الاتحاد وبسمارك مستشاره.

وحققت بروسيا من خلال حربها ضد النمسا مكاسب إضافية ضمت من خلالها بعض المناطق الأخرى كهانوفر وفرانكفورت لممتلكاتها لتتزايد بذلك مساحتها بشكل ملحوظ.

ومع هزيمة النمسا وانتصار مملكة بروسيا، شهدت الساحة الأوروبية تغييرا كبيرا في موازين القوى، حيث انهارت مكانة الإمبراطورية النمساوية والتي حافظت لقرون عديدة على صورة لامعة كقوة عسكرية فاعلة بالمنطقة.

وفي المقابل برزت مملكة بروسيا كقوة عسكرية صاعدة بالقارة الأوروبية.

مقابل ذلك، لم تكن فرنسا راضية عن هذه التغييرات، حيث وقع عليها خبر هزيمة النمسا بمعركة سادوا كالصاعقة، وبسبب ذلك أحس الفرنسيون بالإهانة حيث أثّر ذلك على مكانة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث (Napoleon III) والذي اتهم بالوقوف مكتوف اليدين لمنع تحول بروسيا لقوة عسكرية بالمنطقة.

وأمام هذا الوضع، اتجه الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث لتهدئة الرأي العام ببلاده، فطالب بروسيا بتعويض لفرنسا عند منطقتي السار (Saarland) ولكسمبورغ مقابل التوسع البروسي من جهة، ووقوف فرنسا مكتوفة اليدين واتخاذها لموقف الحياد خلال الحرب البروسية النمساوية.

رفض بسمارك المطالب الفرنسية، وأكد إصرار ملك بروسيا على الدفاع عن القومية الألمانية وعدم استعداده للتفريط في أية قرية ألمانية ولو أدى الأمر لخوض غمار حرب.

وبذلك، أثبت ملك بروسيا عزمه الدفاع عن الدويلات الألمانية بالجنوب ضد الأطماع الفرنسية.

ومثّل الرفض البروسي إهانة كبيرة لفرنسا زادت في توتر العلاقات بين البلدين ومهدت لقيام الحرب.

خلال الأشهر الأولى لسنة 1870، عاد التوتر ليسود العلاقة البروسية الفرنسية مجددا، فإثر الانقلاب الجمهوري الفاشل بإسبانيا وفرار إيزابلا الثانية (Isabella II) إلى فرنسا أصبح العرش الإسباني شاغرا، و عرض الملكيون الإسبان على ليوبولد (Leopold)، أحد أقرباء ملك بروسيا تولي العرش. فاستغل بسمارك الموقف واستطاع أن يقنع ليوبولد بقبول المنصب، سعيا منه لجر المنطقة نحو حرب بروسية فرنسية. لكن وأمام الرفض والاستياء الفرنسي ضغط ملك بروسيا فيلهلم الأول على قريبه ليوبولد وتخلى الأخير عن فكرة اعتلاء عرش إسبانيا.

وفي منتصف شهر تموز/يوليو سنة 1870، التقى السفير الفرنسي ببروسيا بالملك فيلهلم الأول عند منطقة إمس (Ems). وخلال هذا اللقاء طلب السفير الفرنسي بأدب من الملك البروسي تقديم ضمانات لتجنب تكرار أزمة العرش الإسباني وتحسين العلاقات البروسية الفرنسية وتجنب إمكانية نشوب نزاع مستقبلي.

وردّ الملك البروسي فيلهلم الأول بلطف رافضا الطلب الفرنسي لتتوقف المفاوضات عند هذا الحد، ويغادر الطرفان المكان في جو هادئ.

وفي الأثناء، حصل المستشار البروسي على برقية حول مجريات المفاوضات، وما أسفرت عنه، فما كان منه إلا أن أحدث عليها تغييرات أسفرت عن تغيير خريطة القارة الأوروبية للأبد.

خلال تلك الفترة، كتب بسمارك أن السفير الفرنسي قد هدد الملك البروسي ولوح بخوض غمار حرب في حال عدم الحصول على ضمانات، وفي المقابل تحدى فيلهلم الأول ملك بروسيا الفرنسيين ورفض الرضوخ لشروطهم.

وأقدم المستشار بسمارك إثر ذلك على نشر هذه البرقية المحوّرة في الصحف الأوروبية.

وأثارت هذه البرقية المحوّرة التي نشرها بسمارك ضجة عالمية، حيث أحس كل من الفرنسيين والبروسيين بإهانة عند قراءة محتواها، وبسببها اندلعت بعد 4 أيام فقط يوم التاسع عشر من شهر تموز/يوليو سنة 1870 الحرب البروسية الفرنسية والتي استمرت لقرابة ستة أشهر، أسر خلالها الملك الفرنسي نابليون الثالث عقب معركة سيدان (Sedan) وانتهت بإعلان قيام الوحدة الألمانية ونشأت ألمانيا خلال شهر يناير/كانون الثاني سنة 1871.

العربية