"الشّاهوق" (Pertussis) أو السُّعالُ الدّيكي (Whooping Cough)، كما يسميه البعض، وهو التهاب بكتيري معد يصيب الجهاز التنفسي، ويتّسم هذا الالتهاب لدى العديد من المصابين بسعال عنيف متواصل لمدة خارجة عن السيطرة، وهذا يجعل التنفس صعبا، يليه صدور صوت عال وعميق يشبه صياح الديك، وينجم هذا الصوت عن محاولة المصاب لالتقاط أنفاسه بعد السعال۔

عادةً ما تبدأ الإصابة بالسعال الديكي وكأنها إصابة بنزلة برد عادية، لكنها تتفاقم بعد ذلك لدرجة أن المريض يُصبح غير قادر على التخلص منها.

يشار إلى أن هذا المرض يصيب الشخص في أي سن كان، فعلى الرغم من أنه كان يعد قبل ظهور المطاعيم المضادة له وانتشارها مرضا خاصا بالرضع والأطفال الصغار، إلا أنه قد أصبح الآن أكثر شيوعا لدى الأطفال الصغار قبل إكمالهم للمطعومات المضادة له، فضلا عن البالغين الذين تلاشت لديهم المناعة ضده.


"الشاهوق" أو السعال الديكي أسبابه

هذا المرض ينتج عن الإصابة بعدوى بكتيريا "البورديتيلا"، لافتاً إلى أن حدوث العدوى يتشابه مع الإصابة بنزلات البرد العادية. ونادراً ما تكون مصحوبة بارتفاع في درجة الحرارة، مع العلم أن السعال نفسه في البداية لا يكون مزعجاً ولا يُمكن تفريقه عن السعال الناتج عن الإصابة بعدوى الانفلونزا العادية. كما أنه يتحول الى سعال ديكي بعد مرور 14 يوماً تقريباً من بداية الإصابة، حينئذٍ يبدأ السعال في إزعاج المريض ليلاً؛ حيث تتسبب نوبات السعال الحادة في انقطاع النوم.

ولا يتسبب هذا الأمر وحده في التأثير على أعصاب المريض فقط، إنما تؤرقه أيضاً حقيقة أنه لا يوجد أي وسيلة مساعدة يمكنها التغلب على السعال؛ حيث لا يجدي العلاج بالمضادات الحيوية نفعاً، إلا إذا تم البدء في تناولها بصورة مبكرة.

وعلى الرغم من ذلك يوصي أطباء أمراض الجهاز التنفسي بتناول المضادات الحيوية حتى خلال المراحل المتأخرة من المرض؛ حيث يعمل ذلك على الحد من خطر الإصابة بمرض ثانوي بسبب هذا السعال، محذرين أن 10 % إلى 20 % من مرضى السعال الديكي يصابون بالتهاب رئوي يتخذ مسارات مرضية سيئة إلى حد ما۔


هذا ويقول الأطباء، أن الإصابة بالسعال الديكي وحدها دون مضاعفات تمثل خطورة كبيرة، لاسيما بالنسبة للأطفال الرضع الأقل من ستة أشهر؛ حيث غالباً ما يتخذ المرض لديهم مساراً مغايراً للسعال المميز لهذا المرض؛ إذ يمكن أن يصابوا بتوقف عملية التنفس، ما يؤدي إلى الوفاة.

ويوضح الاطباء أنه قد تتسبب بكتيريا "البورديتيلا" المسببة للسعال الديكي في إفراز سموم داخل الجسم، لا تؤدي فقط إلى الإصابة بهذا المرض، إنما تعمل أيضاً على تدمير الأغشية المخاطية المبطنة للمسالك التنفسية، ما يؤدي إلى الإصابة بنوبات السعال المتقطعة هذه، والتي تؤدي في النهاية الى أصوات شهيق مشابهة للصفير، مع العلم أن الأغشية المخاطية لا تعيد بناء نفسها من جديد، إلا بمعدل بطيء للغاية؛ ومن ثم تستغرق عملية الشفاء وقت طويلا أكثر من العادي.

ومن الأعراض التي تظهر على مريض السعال الديكي، والتي تكون مشابهة لأعراض الزكام هي:

1. سيلان الأنف واحتقانه.

2. العطاس.

3. إحمرار العينين.

4. السعال الجاف.

5. ارتفاع طفيف في درجات الحرارة.

هذا، وبعد أسبوع واحد إلى أسبوعين، تبدأ الأعراض والعلامات تتفاقم، ذلك أن "البلغم السميك" يتراكم في المجاري التنفسية، ما يؤدي إلى السعال المتواصل لمدة خارجة عن السيطرة وتصيب المريض بانزعاج حاد.

يذكر أن نوبات السعال في هذه المرحلة قد تؤدي إلى ما يلي:

1. تحول لون الوجه إلى الأحمر أو الأزرق.

2. التقيؤ.

3. الشعور بالتعب والإرهاق الشديدين.

4. فقدان الوعي لمدة قصيرة.

5. عند توقف السّعال يتبعه ما يُسمّى بالشّهقة (أي يأخذ المريض نفساً عاليَ الصّوت مصحوباً بشهقةٍ أو صوتٍ يشبه صِياحَ الدّيكِ)؛ فيجتازالهواء المستنشَق خلال هذه الشّهقة المجاري الهوائيّة التّي لا تزال مغلقةً جزئياً فيصدر عنه مثل هذا الصّوت.

لا تظهر المراحل الكلاسيكيّة السّابقة عادةً في الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ثلاثة أشهر؛ حيث إنّ المرحلة النّزلية تستمر لأيام قليلة أو تكون غير ملحوظة، فيستمر الطفل بالنمو بصحةٍ جيدة ثمّ تظهر عليه علامات الاختناق وانقطاعٍ النفس بعد السُّعالِ في مراحل لاحقة من المرض. وقد يكون انقطاع النفس غير مصحوب بسعالٍ؛ فيكون هو العرض الوحيد الظاهر.

تجدر الإشارة إلى أن العرض الأخير، والذي يعد مميزا لهذا المرض، قد لا يصيب البعض، كما أنه قد تكون العلامة الوحيدة على إصابة بعض المراهقين والبالغين به.


تشخيص السُّعال الديكي

يشمل تشخيص السُّعال الدِّيكي ما يلي:

• التّاريخ المرضي للمريض: ما جاء به المريض من أعراض وعلامات مُتعلّقة بالسّعال الدّيكيّ.

• الفحص السّريري للمريض.

• التّحاليل المخبريّة: التّشخيص عن طريق أخذ مسحة من الأنف والحلق ومن ثمَّ زراعة العيّنة لمعرفة إذا كانت تحتوي على البكتيريا المسببة للسّعال الدّيكيّ.

• القيام بفحوصات الدّم وصور الأشعّة للصّدر وذلك لاستبعاد الأمراض الأخرى.


الوقاية من المرض

وللوقاية من الإصابة بالسعال الديكي، أكدت عالمة الأوبئة الألمانية فيبكه هيلينبراند من "معهد روبرت كوخ الألماني بالعاصمة برلين"، أنه لا يوجد وسيلة فعالة للوقاية من ذلك سوى التطعيم، كما أنه تتم عملية التطعيم باستخدام لقاح جرثومي كامل، أي أن الجهاز المناعي يضطر لمواجهة بكتيريا "البورديتيلا" الميتة الموجودة في التطعيم، ليقوم بإنتاج أجسام مضادة لها بشكل كاف؛ ومن ثمّ يمكنه مواجهة الإصابة بالعدوى الحقيقية بعد حين.

ومن المعروف أنه غالباً ما يتسبب هذا التطعيم في الإصابة بارتفاع درجة الحرارة، كما يوجد اشتباه في أنه قد يؤدي إلى إلحاق أضرار بأعصاب المريض، ولكن لم يتم التثبت من ذلك أبداً.


ويوصي الأطباء بعدم الاقتصار على إعطاء هذا التطعيم للأطفال الرُضع فقط، إنما للبالغين أيضاً، لاسيما الذين يتعاملون مع أطفال على الدوام. وإذا كانت هناك رغبة في الإنجاب، يوصي الأطباء بتلقى المرأة التطعيم قبل الحمل۔


علاج السعال الديكي

يُوصي الأطباء بإعطاء الأطفال مطعوم (DTaP) للأطفال الذّي يشمل: (لقاح الدّفتيريا، والكزاز، والشّاهوق) وهو أفضل طريقة لمنع المرض من أساسه، لكن بعد الإصابة بالمرض يعدُّ التَّشخيص المبكّر وبدء العلاج المبكّر لمرض السُّعال الديكي مُهماً جداً في تخفيفِ حدّة المرض وخاصة إذا ما بُدأ العِلاج قبل بَدء نَوبات السّعال. ويمكن اختصاره في ما يلي:

• المضادات الحيويّة: يتمّ أخذها في مرحلة مُبكرة من المرض؛ أي بِمُجرد تَشخيصه أو الاشتباه به، خاصة عند الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم السنة الواحدة؛ وذلك للقضاء على البكتيريا المسببة للسُّعال الديكي ومنع انتشاره، فيقلّل ذلك من العدوى، ويجب الالتزام بالمضادات الحيوية التي تم وصفها من قبل الطّبيب المختص فقط، ويتمّ وصف المضادات الحيوية المناسبة لأولئك المخالطين للمريض أيضاً بهدف تقليل إصابتِهم بالمرض.

• يُنصح عادةً بإدخال الأطفال الذين لم يتجاوز عمرهم السّنة الواحدة الى المستشفى في الحالات الشَّديدة، وذلك لحاجتهم إلى عناية خاصة، بالإضافة إلى ذلك يتم تعويض السوائل والأملاحِ التي فقدوها خلال عَملية التقيؤ.

• التّقليل مما يتعرض له المريض من عوامل تزيد الكَحَة كالدُّخان والغبارِ.

• الاهتمام بتغذية الطفل بوجبات صغيرة متكررة خاصة به.

• الإكثار من السّوائل لمنعِ الجفاف.

• يجب إخبار الطبيب إذا ما لوحظت الأعراض الآتية على المريض:

- التَّعب الشديد والخُمول أو الشعور بالنُّعاس الدائم.

- انخفاض كمية البول، وتحوّل لون البول من اللون الأصفر الفاتح إلى اللون الأصفر الغامق أو البني.

- انخفاض رطوبة الفمّ؛ فيبدو تجويف الفم واللّسان في حالة جفاف.

- غياب الدموع؛ أي إنه عند بكاء الطفل دون ظهور دموعٍ في عينيه وذلك بسبب جفافِ جِسمه.

- عند الأطفال حديثي الولادة يمكن للأم أن تستدل على أن طفلها في حالة جفاف إذا لاحظت أن الجزء الليّن من الرأس يبدو منخفضاً۔


نصائح مهمة

1. على مريض السعال الديكي أن يحصل على وقت كافي من الراحة، ويساعد على ذلك الاسترخاء في غرفة مظلمة وهادئة.

2. الحصول على كمية كافية من السوائل، كالماء والشوربات، وخاصة للأطفال الذين تظهر عليهم علامات الجفاف، والتي تتضمن جفاف الشفتين والبكاء من دون دموع وقلة التبول.

3. تناول وجبات صغيرة متكررة بدلا من الوجبات الكبيرة قليلة العدد وذلك لتجنب التقيؤ بعد نوبات السعال قدر الإمكان.

4. المحافظة على نظافة وصفاء الأجواء المحيطة، وذلك بمنع التدخين والابتعاد عن الغبار في الأماكن التي يتواجد بها المصاب بالسعال الديكي.