القمة ال39 لدول مجلس التعاون الخليجي التي حصلت قبل يومين جاءت وسط استمرار الحصار المفروض على دولة قطر منذ حزيران 2017، من دول اعضاء مجلس التعاون الخليجي، وهي السعودية والبحرين والامارات، بالاضافة الى مصر، على خلفية اتهام الدوحة بدعم الارهاب، واتخاذها اجراءات اختلفت الاطراف في تسميتها بين حظر او حصار، ووضع شروط لرفع الحصار عن قطر التي رفضت القرار واعتبرت انه يهدف الى المساس بسيادتها۔

مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981، والذي اجتمع في العديد من المرات وسط ظروف صعبة ومعقدة كحروب الخليج المتعددة، وصولا الى ثورات الربيع العربي والاحداث التي شهدتها وتشهدها البحرين، الى الظروف الصعبة والمعقدة التي تمر بها هذه المرة دول مجلس التعاون الخليجي والقمة الخليجية، ذلك ان الازمات السابقة في اغلبها كانت من خارج المجلس، لكن هذه المرة انبثقت من الداخل حيث باتت تمثل تهديدا كبيرا ووجوديا للمجلس بحد ذاته، وتضرب كيانه بالكامل۔

هذا وقد برزت بشكل كبير عدم الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من خلال عدم وجود دور فعال في بناء علاقات وثيقة بين الدول الاعضاء۔ ومن اندلاع الازمة الخليجية، وما تلاها۔ وصل مجلس التعاون الخليجي الى نفق مظلم وضيق، ويمس ليس حاضره بل مستقبله ككل۔

ومن خلال النزاع القائم بين دول الخليج، يطرح سؤال هام، هو كيف ستؤثر القمة على النزاع الخليجي المستمر، وقد تخلت الهيئة الرمزية بشكل كبير ولسنوات عن دورها الفعال في بناء علاقات بين الدول الاعضاء وذلك من اول ازمة في عام 2014 في مجلس التعاون الخليجي، حيث ظهرت عدم قدرته على التوسط والقيام بدور مهم وبناء في تخفيف التوترات والازمة الحاصلة بين الدول الاعضاء۔

اما في قمة الكويت، والتي عقدت في نهاية عام 2017، والتي كانت ولادتها "قيصرية"، والاقل تمثيلا والاقصر، اذ لم تستغرق سوى ساعتين، بعد ما شهدته من انقسام حاد بين دوله الى قطبين كل منهما ذهب في اتجاه مغاير للآخر ولم يتم التوافق فيه على اي شيء مهم۔


مفاجأة الامارات

أما المفاجأة التي حصلت صبيحة انعقاد القمة، هو اعلان دولة الامارات وبشكل منفرد تشكيل شراكة اقتصادية وعسكرية مع المملكة العربية السعودية وبشكل منفصل عن دول مجلس التعاون الخليجي، ما فسّر على أنه رسالة واضحة للتشويش على قمة الكويت، ومن اجل اضعاف هيكلية وجود مجلس التعاون الخليجي الذي يعتبر الجامع للكل۔

ها هي القمة الثانية لمجلس التعاون قد انعقدت في ظل أزمة حادة، وقد تغيرت ثوابت وقناعات على مستوى العديد من الدول الخليجية والعالمية، وذلك بعد أن أثبتت قطر قدرتها على تجاوز ما اريد لها من وراء الحصار الذي فرض عليها، وايضا بعد ازمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول وما تبعها من ملابسات وأحداث۔

بالعودة إلى مجريات قمة كانون الاول الماضي، تساءل الكثيرون عمَّا إذا كان تجمّع هذه السنة سيحدث خرقا ما في الخلاف، وهل سيكون لدى الأطراف النضج لإدراك أن الكل خاسر في ضوء الانقسام والتشرذم الحالي بعد أن استعصت الأزمة الخليجية على الحلول وأتعبت الوسطاء؟ ولكن النتيجة جاءت كسابقتها ولم تقدم هذه القمة اي جديد يذكر على صعيد الوضع المتأزم في الخليج وفي المنطقة العربية ككل، من حرب اليمن الى الوضع في سوريا وغيرها۔

أما بالنسبة لقمة العام الماضي، فقد قام كلِّ من السعودية والإمارات والبحرين بإرسال وزراء أو نواب رؤساء وزارة على رأس وفودها، ولم يحضر ملوك أو رؤساء هذه الدول، وتغيّب العاهل السعودي عن القمة الأخيرة، وحضر من الجانب السعودي وزير الخارجية عادل الجبير، فيما حضر من الجانب الإماراتي وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، وهو ما تسبب في انتقادات لدول الحصار بعدم رغبتها في إنهاء الأزمة التي تعصف بدول الخليج والمنطقة ككل۔

لكن في هذا العام، فقد سعت السعودية وبذكاء لتُصوِر للعالم أن الكرة في ملعب قطر، وعملت على تجنّب هذه الانتقادات، إذ أنها وقبل أيام قليلة، كانت دعوة العاهل السعودي إلى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لحضور القمة الخليجية التي تنعقد في الرياض اليوم الأحد 9 من كانون الأول 2018، بمثابة أول خطاب رسمي من الملك السعودي إلى الشيخ تميم منذ بداية الخلاف بينهما.

وبالمقابل وقبل أن تعلن الدوحة أن الأمير تميم لن يشارك في القمة هذا العام، بل سيرسل بدلاً عنه وزراء دولة لتمثيل البلاد، فقد رأى البعض أن هذه الخطوة مؤشر على قرب انتهاء الأزمة الخليجية، وليس إشارة إلى استعداد المملكة لحل الأزمة، في حين سارع مسؤولون في دول الحصار محسوبون على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى التقليل من أهمية هذه الخطوة. أما البعض الاخر فقد اعتبر هذه الدعوة والتي اثارت جدلا في الشارع الخليجي ما بين مؤيد ومعارض لها، أنها مجرد اجراء شكلي، وهذا ما تأكد بعد اعلان برنامج القمة الذي دعيت اليه قطر، ليتبين ان الازمة الخليجية لن تكون من أولويات القمة۔

وبالرغم من أنه لم يكن متوقع أن تعالج القمة الخلاف الخليجي – الخليجي بفاعلية، فإنه إذا رفضت قطر الدعوة بالكامل، قد تتهمها البلدان المحاصرة لها بعدم وجود إرادة للجلوس والتحدث، لكن قطر لا ترغب في تقديم نفسها على أنها بعيدة عن المجلس، ما دعاها لإرسال "وفد أقل"، لكنه سيظهر أن الحكومة القطرية لم تكن مترددة أبدا في الدخول في أي حوار مباشر، وهذا ما يعطي قطر الفرصة لدحض الاداعاءات أنها غير داعمة بشكل كاف لملكياتها الخليجية۔

وعلى النقيض من أن "التعنت الرباعي" لا زال واضحاً وجليا، فإن مشاركة قطر في القمة ستسمح للبلاد بالحفاظ على الطريق المرتفع في الأزمة الدبلوماسية الحاليّة وعدم نضوج الحل بين دول الخليج وان هذه القمة هي ليست المنصة المناسبة لحل الخلافات بشكل او بآخر بل ان تكون المحادثات المباشرة هي الحل۔


السعودية استغلّت القمة كمنصة لتقديم نفسها ضحية

اما بالنسبة الى السعودية، فان هذه القمة كانت مناسبة مهمة لها لتستغلها كمنصة لتقديم نفسها كضحية للضغط الدولي، بما في ذلك مقتل الصحافي خاشقجي وحرب اليمن خاصة بعد تفاقم الدول المنادية بإيجاد حل لازمة اليمن والتي بات العديد من الدول الاوروبية يحملون المسؤولية للسعودية مباشرة۔ من ناحية أخرى، بعد الأزمة الدبلوماسية التي وضعت الرياض نفسها فيها وهي عملية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي وضع الرياض في قفص الاتهام، وتحت ضغط متزايد بشأن مقتله، حيث أشاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهر الماضي باقتصاد قطر في تصريحات اعتبرت تصالحية، وأكد عليها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في حديث إيجابي عن قطر بعد أيام قليلة من حديث ولي العهد، الذي بدا كأنه استجرار التضامن من أمير قطر.


الضغوطات الغربية على القمة

يأتي اجتماع هذا العام وسط ضغوط سياسية كبيرة من الغرب والولايات المتحدة، الحليفة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي ترى أن المجلس حيوي للحفاظ على المنطقة آمنة من تحركات إيران في المنطقة، وهذا ما يدفع السعودية للإصرار على أنه من مصلحة الرياض والدوحة البقاء بالمجلس في الوقت الراهن والعض على الجراح.

وبالعودة الى القمة وجدول أعمالها الذي لا يتضمن أي من القضايا الأكثر خلافا، فقد كانت القرارات التي صدرت أقل من عادية ولم تحمل في طياتها أي جديد بل لم تتطرق الى اي مشكلة في المنطقة، وكانت أقل من عادية وتكرار لما حصل في القمة السابقة وخطابات رنانة دون جدوى وخالية من أي مضمون، ومع عدم قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على تجاوز الأزمات، تثبت القمة أنها غير مجدية من الناحية السياسية ولا من الناحية الاقتصادية.

لهذا، ظهرت القمة أنها أقل من عادية على صعيد الصراع الخليجي – الخليجي، خاصة بعد أن تبين أن الحصار المفروض على قطر، جعلها تكون أقوى، وعلى وقع الأحداث والتطورات الحاصلة في الدول العربية، مع العلم أن المكتوب يقرأ من عنوانه، فكيف إذا كانت العناوين السابقة مشابهة لما سيصدر عن هذه القمة۔